الضغط والسرعة والعمل دون كرة.. كيف تحولت قوة رونالدو إلى تحدٍ تكتيكي للبرتغال؟

كريستيانو رونالدو

كريستيانو رونالدو

سلطت شبكة «أوبتا» العالمية الضوء على الأزمة التي أحاطت بكريستيانو رونالدو خلال معسكر منتخب البرتغال الأخيرة.

موضوعات متعلقة

واعتبرت الشبكة العالمية أن المسيرة الدولية الاستثنائية لقائد «برازيل أوروبا» باتت أمام نهاية متوترة لم يكن من الضروري أن تصل إليها بهذه الصورة.

وبحسب تقرير نشره موقع أوبتا للاحصائيات والتحليل، فإن مغادرة رونالدو لمعسكر المنتخب البرتغالي فتحت الباب أمام احتمال انتهاء رحلته الدولية، بعد مسيرة جعلته صاحب الرقم القياسي في عدد المباريات والأهداف على مستوى كرة القدم الدولية للرجال.

رونالدو أعلن قبوله بالجلوس بديلًا

قبل أيام قليلة فقط من الأزمة، بدا رونالدو أكثر تقبلًا لفكرة تغير دوره داخل المنتخب البرتغالي.

وعقب مشاركة قائد البرتغال في الانتصار بنتيجة 1-0 أمام ويلز في دوري الأمم الأوروبية، تحدث رونالدو عن استعداده للقيام بأي دور يراه الجهاز الفني مناسبًا.

وأكد أنه لن يمانع الجلوس على مقاعد البدلاء إذا رأى المدرب أن ذلك يصب في مصلحة المنتخب، مشددًا على أن انتصار الفريق ووحدة المجموعة أهم من مشاركة أي لاعب بعينه.

كما أعلن استعداده الكامل للقيام بالدور الذي يطلبه منه الجهاز الفني.

لكن ما حدث بعد ذلك بأيام قليلة جعل الصورة مختلفة تمامًا.

مباراة النرويج تشعل الأزمة

دخل رونالدو مباراة البرتغال أمام النرويج على مقاعد البدلاء، ولم يعتمد عليه جورجي جيسوس خلال المواجهة التي انتهت بانتصار البرتغال بنتيجة 2-1 خارج ملعبها.

وبحسب «أوبتا»، بدا أن رونالدو لم يكن سعيدًا بعدم المشاركة، إذ توجه مباشرة إلى النفق المؤدي لغرف الملابس عقب صافرة النهاية، بدلًا من الانضمام إلى زملائه في تحية الجماهير البرتغالية التي سافرت لمساندة المنتخب.

وكانت تلك اللقطة بمثابة بداية الأزمة التي انفجرت بشكل أكبر خلال الأيام التالية.

رونالدو يغادر المعسكر

بلغت الأزمة ذروتها بعد ذلك عندما أكد رونالدو مغادرته معسكر المنتخب البرتغالي عقب حديث جمعه برئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم.

وجاءت مغادرته في أعقاب المؤتمر الصحفي الذي عقده جورجي جيسوس قبل مواجهة الدنمارك، والذي كان اسم رونالدو أحد أبرز محاوره.

وتحدث جيسوس خلال المؤتمر عن عدد من التفاصيل المتعلقة بقائد المنتخب.

واعترف المدرب بأنه أخطأ عندما طلب من رونالدو إجراء عمليات الإحماء لمدة 30 دقيقة خلال مباراة النرويج دون أن يدفع به في النهاية.

وفي المقابل، نفى المدرب التقارير التي تحدثت عن رفض رونالدو المشاركة في التدريبات.

جيسوس: لن يغير رونالدو أفكاري

لكن الرسالة الأبرز التي وجهها جيسوس كانت تأكيده أن القرار الفني يبقى مسؤولية المدرب وحده.

وأوضح أنه يملك الحق في وضع أي لاعب على مقاعد البدلاء، وأن اللاعب قد يشارك لمدة 30 دقيقة إذا احتاج إليه، أو قد لا يشارك على الإطلاق إذا رأى الجهاز الفني عدم الحاجة إليه.

وشدد جيسوس على أن رونالدو، مثل أي لاعب آخر، لن يكون قادرًا على تغيير أفكاره أو قراراته كمدرب.

كما أكد أن الأمر لا يتعلق برونالدو وحده، وإنما ينطبق على جميع اللاعبين، بل وحتى مسؤولي الأندية أو الاتحادات، إذ لن يسمح لأي شخص بالتدخل في قراراته الفنية.

وبحسب تحليل «أوبتا»، ربما كان بإمكان جيسوس اختيار طريقة أكثر هدوءًا في التعامل مع الموقف، إلا أن المنتخب البرتغالي ربما كان بحاجة منذ فترة إلى مدرب يمتلك شخصية قوية وقادر على اتخاذ قرارات صعبة، حتى لو أثارت الجدل.

بداية القصة تعود إلى مونديال قطر

وأعاد تقرير شبكة «أوبتا» فتح ملف رونالدو مع منتخب البرتغال منذ كأس العالم 2022 في قطر.

وكان المدرب السابق فرناندو سانتوس قد اتخذ قرارًا تاريخيًا عندما وضع رونالدو على مقاعد البدلاء أمام سويسرا في دور الـ16.

ودفع سانتوس بجونسالو راموس بدلًا منه، ليقدم المهاجم الشاب واحدة من أبرز مبارياته الدولية ويسجل ثلاثة أهداف خلال انتصار البرتغال الساحق بنتيجة 6-1.

وبدا وقتها أن المنتخب البرتغالي بدأ بالفعل مرحلة تقليص الاعتماد على رونالدو.

لكن خروج البرتغال أمام المغرب في ربع النهائي أنهى حقبة فرناندو سانتوس، قبل أن يتولى روبرتو مارتينيز المسؤولية لاحقًا.

مارتينيز أعاد رونالدو إلى الواجهة

تحت قيادة روبرتو مارتينيز، استعاد رونالدو دوره الأساسي بشكل واضح.

وشارك أساسيًا في 9 مباريات من أصل 10 خلال تصفيات كأس أمم أوروبا 2024، كما بدأ المباريات الخمس التي خاضها المنتخب البرتغالي في النهائيات.

واستمر الاعتماد عليه خلال الطريق إلى كأس العالم 2026، حيث ظهر أساسيًا في خمس مباريات من أصل ست خلال التصفيات.

كما شارك في المباريات الخمس التي خاضتها البرتغال في مونديال 2026 بأمريكا الشمالية، وهي البطولة التي أنهاها المنتخب في دور الـ16 بعد احتلال المركز الثاني في مجموعته.

ورغم حفاظ رونالدو على معدل تهديفي جيد تحت قيادة مارتينيز، ظل النقاش قائمًا حول مدى استفادة المنتخب من وجوده أساسيًا باستمرار.

هل أصبح أسلوب رونالدو مشكلة؟

يرى تقرير «أوبتا» أن الجدل لا يتعلق فقط بقدرة رونالدو على تسجيل الأهداف.

كرة القدم الحديثة باتت تعتمد بشكل كبير على الضغط والعمل دون كرة وكثافة التحركات الدفاعية والهجومية.

وهو ما يضع علامات استفهام حول إمكانية اعتماد منتخب ينافس على أعلى المستويات على لاعب لا يقدم القدر نفسه من العمل دون الكرة.

وفي هذه الحالة، يحتاج الفريق إلى بناء منظومة كاملة قادرة على تحمل العمل الإضافي لتعويض ذلك.

وأشار التقرير إلى تجربة المنتخب الأرجنتيني مع ليونيل ميسي مثالًا على قدرة فريق كامل على التكيف مع نجم يتمتع بحرية أكبر على أرض الملعب.

19 لمسة فقط أمام إسبانيا

ومن أبرز الأرقام التي استند إليها تقرير شبكة «أوبتا» مباراة البرتغال أمام إسبانيا في كأس العالم 2026.

وخلال 90 دقيقة، لمس رونالدو الكرة 19 مرة فقط.

واللافت أنه لم يسجل أي لمسة للكرة بعد الدقيقة 80، رغم أن النتيجة كانت لا تزال تشير إلى التعادل السلبي حتى الوقت بدل الضائع.

وقدم التقرير هذا الرقم باعتباره مؤشرًا على محدودية مشاركة رونالدو في بعض المباريات التي تتطلب نشاطًا أكبر من المهاجم داخل منظومة اللعب.

درس كرواتيا الذي لم يستفد منه مارتينيز

قبل مواجهة إسبانيا بأيام، لعبت البرتغال أمام كرواتيا.

وخلال تلك المباراة، قرر مارتينيز إخراج رونالدو في الدقيقة 81 بينما كانت النتيجة تشير إلى التعادل 1-1، وهو قرار بدا أن القائد البرتغالي لم يكن سعيدًا به.

وكان جونسالو راموس قد دخل الملعب قبل ذلك بقليل.

وبعد خروج رونالدو، أصبح راموس نقطة الارتكاز الرئيسية في هجوم البرتغال، قبل أن يسجل هدفًا قاتلًا قاد المنتخب إلى الفوز والتأهل.

ويرى تقرير «أوبتا» أن تلك المباراة كان من الممكن أن تكون درسًا مهمًا لمارتينيز قبل مواجهة إسبانيا.

ومع ذلك، استمر رونالدو أساسيًا أمام المنتخب الإسباني ولم يشارك راموس، رغم محدودية تأثير قائد البرتغال على المباراة.

أرقام رونالدو في كأس العالم

وتوقف تقرير «أوبتا» أيضًا عند سجل رونالدو التهديفي في نهائيات كأس العالم.

ورغم وجوده بين أبرز الهدافين في تاريخ المسابقة، فإن أرقامه لا تبدو استثنائية بالدرجة نفسها عند مقارنتها بعدد المباريات التي خاضها.

وخاض رونالدو 27 مباراة في نهائيات المونديال، بينما كان سبعة من اللاعبين الثمانية الذين سجلوا أهدافًا أكثر منه قد احتاجوا إلى عدد مباريات أقل.

وهو ما استخدمه التقرير لإثارة النقاش حول الفارق بين الأرقام التاريخية الكبيرة التي حققها رونالدو دوليًا بشكل عام وتأثيره الفعلي في المراحل الحاسمة من كأس العالم.

لماذا استمر جيسوس في الاعتماد عليه؟

ورغم كل ذلك، لم يكن استمرار رونالدو مع المنتخب بعد كأس العالم 2026 أمرًا مفاجئًا.

كما لم يكن غريبًا أن يعلن جورجي جيسوس استعداده للاستمرار في الاستفادة منه، خاصة أن الثنائي سبق له العمل معًا في النصر السعودي.

ويمتلك رونالدو خبرة هائلة وحضورًا كبيرًا داخل غرف الملابس وعالم كرة القدم بصورة عامة.

ولهذا يرى التقرير أنه كان بإمكانه الاستمرار في تقديم قيمة مهمة للمنتخب حتى مع تراجع دوره داخل الملعب.

لكن ذلك كان يتطلب تقبل فكرة التحول من لاعب لا غنى عنه إلى عنصر يمكن أن يبدأ بعض المباريات على مقاعد البدلاء.

هل كان رونالدو قادرًا على قبول الدور الجديد؟

هنا يطرح تقرير «أوبتا» السؤال الأساسي.

رونالدو يبلغ 41 عامًا، وبالتالي كان من المنطقي تصور أنه يدرك أن المرحلة الحالية من مسيرته تختلف عن السنوات التي كان خلالها الخيار الأول بلا نقاش.

وبالتالي، كان من الممكن أن يؤدي دورًا مختلفًا داخل المنتخب، مستفيدًا من خبرته وتأثيره وشخصيته، مع منح اللاعبين الأصغر سنًا مساحة أكبر على أرض الملعب.

لكن الأزمة الأخيرة تشير إلى أن الانتقال إلى هذا الدور ربما لم يكن بالسهولة التي بدا عليها الأمر عندما تحدث رونالدو قبل أيام عن استعداده لقبول قرارات المدرب.

234 مباراة و142 هدفًا

ورغم الأحداث الأخيرة، شددت «أوبتا» على أن هذه الأزمة لن تكون قادرة على محو الإرث التاريخي لكريستيانو رونالدو مع المنتخب البرتغالي.

ويمتلك قائد البرتغال سجلًا يصعب تكراره.

فقد خاض 234 مباراة دولية، وهو رقم قياسي في كرة القدم الدولية للرجال.

كما سجل 142 هدفًا دوليًا، ليحمل أيضًا الرقم القياسي العالمي على مستوى المنتخبات للرجال.

إلى جانب ذلك، قاد منتخب بلاده لتحقيق أول لقب كبير في تاريخه عندما توج بكأس أمم أوروبا «يورو 2016».

كما كان حاضرًا خلال تتويج البرتغال بلقبي دوري الأمم الأوروبية.

الإرث أكبر من الأزمة

يرى تقرير الشبكة العالمية أنه عندما ينظر عشاق كرة القدم بعد سنوات إلى مسيرة رونالدو مع البرتغال، فإن الأزمة الحالية لن تكون أول ما يتذكرونه.

ستظل الأرقام القياسية والأهداف والبطولات واللحظات التاريخية هي الجزء الأكبر من إرثه الدولي.

أما الطريقة التي انتهت بها أيامه الأخيرة مع المنتخب -إذا كانت بالفعل النهاية- فقد تتحول إلى مجرد هامش صغير في قصة امتدت لأكثر من عقدين.

هل تصبح البرتغال أفضل دون رونالدو؟

في ختام التقرير، طرحت «أوبتا» السؤال الأكثر حساسية بشأن مستقبل المنتخب البرتغالي.

فبعيدًا عن الجدل المستمر حول مشاركة رونالدو وموقعه الأساسي وعلاقته بالمدربين، قد تحصل البرتغال بعد نهاية هذه المرحلة على فرصة لبناء فريق جديد دون أن تتمحور النقاشات دائمًا حول لاعب واحد.

ويعتبر التقرير أن نهاية واحدة من أعظم المسيرات الدولية بهذه الطريقة المتوترة تبدو مؤسفة وغير ضرورية.

لكن في الوقت نفسه، فإن منتخب البرتغال في 2026 وما بعدها قد يجد نفسه أمام بداية حقبة مختلفة، تعتمد على مجموعة جديدة من اللاعبين ومنظومة أكثر تحررًا من النقاش الدائم حول مشاركة قائدها التاريخي.

ويبقى المؤكد أن كريستيانو رونالدو، مهما كانت الطريقة التي يكتب بها الفصل الأخير، سيظل أحد أهم اللاعبين في تاريخ المنتخب البرتغالي وكرة القدم الدولية.

مشاركة

عاجل