جرأة القرار والتوقيت
55 يومًا فقط كانت تفصلنا عن انطلاق منافسات كأس العالم، ولم يكن قرار إقالة هيرفي رينارد في هذا التوقيت وبعد 62 شهرًا من قيادة المنتخب السعودي أمرًا سهلًا على أي مسؤول.
هل هناك وقتٌ كافٍ لإيجاد بديل؟ هل يستطيع البديل إحداث فارق عما كان عليه الأخضر مع رينارد؟ هل يؤثر ذلك على شكل الفريق بالمونديال وينتهي بكارثة أم يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
حاصرت كل هذه التساؤلات عقل صناع القرار، وفكروا ألف مرة قبل إبلاغ رينارد بالرحيل، لكن زلزال الخسارة برباعية في ودية أمام منتخب مصر كان أقوى من الصمود أمامه، وسادت لغة التغيير محل الاستقرار في القاع، باعتبار أن أي نتيجة ممكنة لن تكون أسوأ مما هو عليه الحال في تلك الآونة، وبعد فترة من التراجع المستمر والخسائر المتدفقة، خاصةً وأن رينارد لم يعطِ إجابات عن التراجع ولم يقدم حلولًا لغدٍ أفضل، وظل يلقي بالمسؤولية على المنظومة وحدها، وعلى تراجع ومحدودية المواهب.
كان الاتحاد السعودي أمام تحديين، أولهما استبدال رينارد وتحمل العقبات مهما كانت كارثية، والثاني بدء مسار التصحيح مع مدرب جديد مهمته إعادة بناء شخصية وهوية الأخضر، وتجهيز المجموعة عبر كأس العالم للتحديات المقبلة، بدءًا من كأس الخليج مرورًا بكأس أمم آسيا، وصولًا إلى مونديال 2030 بجاهزية أكبر، ومنظومة أكثر تماسكًا، وحضورًا، ورغبة.
لماذا دونيس؟
الظروف التي رحل فيها رينارد، والأهداف التي يربو إليها مسؤولو الكرة السعودية، دفعت الجميع للتفكير في خيار أحد رواد المدرسة الواقعية، أولئك أصحاب الخبرات الطويلة، والذين يعرفون كيف ينتصرون في أصعب الظروف، ودون الحاجة إلى أعقد التكتيكات وأبرز اللاعبين.
كان على رأس المعايير التي وضعها المسؤولون، أن يكون المدرب صاحب دراية كبيرة بالكرة السعودية، وعلى معرفة كاملة باللاعب السعودي من حيث القدرات والعقلية، وكيفية توظيف جميعها لكي يخرج أفضل ما يمكن إخراجه.
ربما فكر أحد المسؤولين في جيسوس، فهو تنطبق عليه كل ما ينطبق على دونيس وأكثر، لكن ارتباطه بحلم النصر والاقتراب من التتويج بروشن آنذاك كان عقبة واضحة أمام تلك الخطوة، ويمكن اعتبار التعاقد مع إنزاجي وقتها صعبًا وأكثر تعقيدًا وقتها أيضًا.
النظر إلى دونيس كان أمرًا غير متوقع، لكنه اختيار الطوارئ الذي ما كان دائمًا بداية المعجزات في كل مكان بالعالم، فالرجل لديه من الخبرات الطويلة ما يمكنه من امتلاك معرفة كافية باللعبة وكبرى المواجهات، وكيفية التعامل مع مباريات الكؤوس، والمواجهات الإقصائية، فضلًا على أن تجربته مع روشن مكنته من التعرف على كل التفاصيل.
فلسفة المنتخبات.. وأسلحة المرحلة
على خلاف رينارد الذي برر فشله بغياب المواهب، واللاعبين الجيدين، كان أول تحدٍ يواجهه دونيس هو إعادة الثقة للمجموعة والتي أفقدها إياهم مدربهم السابق، فلم يكن الأمر سهلًا أن تعيد العقلية الانتصارية، وتبث روح وهوية البطل في أنفس مجموعة تواجه اتهامات بالقصور والمحدودية والضعف دائمًا.
يعرف دونيس قدرات اللاعب السعودي، ليسوا الأفضل في العالم، لكنهم ليسوا بالسوء الذي صوره البعض، وبالعمل والتطور يمكنهم المنافسة في أعلى المستويات، هكذا بدأت خطته ورحلة بناء فريق جديد سيعود إلى البطولات بعد صيام طويل، وعقود ممتدة.
أكثر ما ميز دونيس مع الأخضر هو وعيه الشديد بأن منافسات المنتخبات تختلف تمامًا عن الأندية، والأمر يتعلق أكثر بالجاهزية النفسية، وإعداد المجموعة حول هدف وحلم، واللعب على وتر المعنويات والحوافز أكثر من اللجوء إلى أساليب خططية وتكتيكية معقدة.
لذلك فإن أكثر ما فعله المدرب هو إعادة الروح التي افتقدتها المجموعة مع رينارد، ويمكننا أن نلمس ذلك في كل تصريحاته منذ تولي المهمة، فيقول المدرب اليوناني في إحدى رسائله للاعبيه: كونوا وحوشًا، وقاتلوا بأرواحكم، لأجل جماهيركم.
ثم يعود دونيس ليؤكد في أكثر من مرة بأن الشغف، والقتال، والروح، أسلحة إن وجدت يمكنك صناعة المستحيل والانتصار على أي فريق، فليس مطلوبًا منك أن تملك قدرات مارادونا أو بيليه، كي تقدر على المنافسة في أعلى المستويات.
كما عزز دونيس بداخل اللاعبين أهمية الدفاع عن ألوان الوطن، وهي فكرة تضاعف القدرات البدنية، وتزيد معدلات التركيز، وتجعل اللاعبين في أفضل عطاءاتهم ومستوياتهم، حين تجيد زرع روح الانتماء، وهو الأمر الذي يحث عليه المدرب دائمًا ولا يتوقف عن الحديث عنه.
الدفاع أولًا.. كيف تنتصر المنتخبات
هذا لا ينفي أن دونيس البارع إداريًا، ونفسيًا، ليس بنفس القدرات خططيًا.
في المنتخبات، وخاصة المواجهات الإقصائية، تحتاج إلى منظومة قوية دفاعيًا، والوصول إلى مرماه يجب أن يكون شبه مستحيل، ومعدلات استقبال الفرص لا بد بأن تقل وتصل إلى حد الانعدام، وهو ما حرص عليه المدرب طوال الفترة وحتى الآن.
في كأس العالم أبرز الأخضر تحت قيادة دونيس قوته الدفاعية بشكل كبير، ونجح في أن يطيح بواحد من أقوى منتخبات أمريكا الجنوبية، بل والعالم كله، حينما أوقع أوروجواي في فخ التعادل، رغم ما تحويه من نجوم وعمالقة يمثلون كبرى أندية العالم، وتحت قيادة أحد أهم منظري كرة القدم في العالم بيليسا.
صحيح أن المنظومة لم تكن بنفس الثبات والقوة أمام إسبانيا، لكن من صمد أمام الماتادور، الذي قهر فرنسا والبرتغال وكل عمالقة العالم، فلا يمكن لوم دونيس الذي وصل قبل البطولة بـ55 يومًا على الخسارة.
ثم أمام منتخب الرأس الأخضر الذي كان الحصان الأسود للبطولة، وأحد أقواها دفاعيًا وبدنيًا، خرج الأخضر بتعادل أخضر، ولولا ضيق الوقت وخطأ عدم ضم صالح أبو الشامات، لكان بمقدور الأخضر صناعة التحول والتسجيل.
جني الثمار.. وتصويب المسار
كان كأس العالم مجرد بداية، استعاد فيها دونيس ثقة لاعبيه بأنفسهم، وثقته بمجموعته، وثقة جماعة كرة القدم السعودية كلها في ألوان الأخضر وقدرته على النهوض سريعًا.
أهم المكاسب هي استعادة العقلية الانتصارية، والهوية السعودية، التي تلعب دائمًا للفوز، ولتكون فعلًا لا رد فعل.
ثم تأتي ثاني المكاسب وأبرزها وأوضحها، وهي لجوؤه إلى تصحيح أخطائه التي وقع فيها، ليؤكد بأنه مدرب يراجع نفسه لا يعاند ولا يصر على موقفه، مثل آخرين.
كان واضحًا وملموسًا لكل متابع، أن غياب صالح أبو الشامات عن تشكيلة المنتخب السعودي في كأس العالم هو أكبر الثغرات والأخطاء التي وقع فيها دونيس، وتأكد الأمر بعدما نجح اللاعب في أن يكون أفضل لاعبي الأخضر في كأس خليجي 27.
تيقن دونيس، بأن المنظومة الدفاعية التي صنعها يمكن أن تؤمنه، لكن حين يحتاج للتحول والهدف الذي يمنحه الصعود أمام الرأس الأخضر في المونديال، كان لا بد من صاحب الحل الفردي، والإبداع، والفكرة المبتكرة، وهو ما يمكن إيجاده في صالح أبو الشامات، أمهر وأفضل صناع لعب المرحلة.
وأمام دفاعات متكتلة وخصوم يتراجعون للوراء، لا يمكنك تفكيك الخطوط وإيجاد المساحات، بدون لاعب مبدع ومبتكر مثل أبو الشامات، وهو ما رصدناه بشكل واضح خلال البطولة.
التجديد والتطوير
كما بيّن دونيس بأنه مؤمن للغاية بالتجديد والتطوير، لا كلام مؤتمرات فحسب، بل واقع عملي رأيناه خلال مجريات البطولة.
المدرب اليوناني الذي تميز بجرأة من اللحظة الأولى أقبل على الاعتماد على همام الهمامي، أحد أهم مفاجآت البطولة، وقدم مباريات مثالية كان فيها مفتاح النصر وأخطر حلول الأخضر.
كما دفع المدرب بصالح أبو الشامات، ورغم غيابه عن المونديال لم يجد حرجًا في أن يحوله لنجم الفريق الأول وواجهته الأكثر تأثيرًا وحضورًا.
ومعهما دفع بالمحرزي ليكون أحد أهم وأبرز مفاتيح لعب البطولة، ليؤكد بأنه قادر على لعب دور مهم في الفترات المقبلة.
ومثلما يسعى لتجديد عناصره وتطوير لاعبيه، كذلك يقدم دونيس تطورًا في الأفكار والتكتيكات التي يعتمد عليها، فعلى سبيل المثال حول محمد أبو الشامات من جناح إلى ظهير في المباريات التي يحتاج فيها إلى مهاجم إضافي وزيادة عدد مهاجميه في العمق، مما أبرز امتلاكه للجرأة الخططية أيضًا وحضوره الذهني في المباريات.
معجزة العويس
وقبل كل ما شرحناه، كان أكثر ما ميز فترة دونيس الأخيرة هو تقديره للعناصر وللعبة بعمق ينتصر فيه على الجميع.
حينما أعاد محمد العويس من الابتعاد عن الأضواء إلى قمة التألق والوهج مع الأخضر في المونديال، بيّن للعالم كله بأن هذا الرجل الذي كان من أفضل حراس كأس العالم جدير بفريق كبير ومكانة أهم، فعاد للهلال.
رهان دونيس على العويس أحد أهم الرهانات التي ستبقى خالدة في الذاكرة السعودية، وكان دوره بين الأكثر أهمية وبروزًا في التتويج بخليجي 27، خاصة في ليلة عبور قطر عبر ركلات الترجيح.
الاستعانة بالعويس، وإعادته للقمة، كان قرارًا يعكس رؤية المدرب الثاقبة، وجرأته، وهو ما تكرر في بقية القرارات.
هوية بطل
وجاء الانتصار بخليجي 27 ليعيد إلى المنظومة روح وهوية البطل، بعد غياب سنوات طويلة، والأهم من ذلك أن البطولة جاءت بالفعل معبرة عن شخصية الأبطال.
فاز دونيس باللقب دون أن يستقبل هدفًا واحدًا، وأظهر الفريق أن الوصول إلى مرمى العويس يعد حلمًا لأي منافس، وكان الطرف الأكثر تملكًا وتحكمًا في الرتم من كل المتنافسين مع اختلاف وتنوع طرق اللعب التي ينتهجونها.
كما أظهر الفريق معه شراسة كبيرة، وقدرة على حصار أي منافس في مناطقه، مما جعل الجميع أمام مشهد عام يؤكد التحول الكبير في طريقة وأسلوب وهوية المنظومة، ولا يشك مشجع ومتابع واحد للكرة السعودية اليوم، في قدرة هذا الفريق على التتويج ببطولة كأس آسيا، بل أصبح المرشح الأول، خاصة وأن إحاطته بجمهوره الذي كان أقوى أسلحته يضيف إلى قوته وجودته، طاقة وقوة أكبر.
الشعور العام لدى المشجع السعودي، والفارق بينه وبين شعوره عند آخر مباراة لدونيس، يعبر بوضوح عن حجم المنجز، والتحول الكبير في نظرة الجميع للأخضر اليوم مقارنة بما كان عليه في وقتٍ سابق، بل والأدهى من ذلك أن تم في فترة زمنية وجيزة خلال 6 أشهر فقط، مما يبين بأننا كنا أمام اختيار مثالي، وقرار يصنف بين الأحكم والأفضل في العقود الأخيرة، ويبشر بمرحلة ذهبية ننتظرها جميعًا.































