ومن المقرر أن تشهد مباراة الأرجنتين وبنين الودية على ملعب «مونومنتال» في العاصمة بوينس آيرس الظهور الأخيرة لـ"البرغوث" بقميص بلاده الأرجنتين.
ويأتي الظهور الوداعي لميسي، البالغ من العمر 39 عامًا، بعدما أعلن اعتزاله اللعب الدولي عقب خسارة الأرجنتين نهائي كأس العالم 2026، قبل أن يوجه إليه الاتحاد الأرجنتيني دعوة للعودة في مباراة أخيرة لتوديعه أمام جماهير بلاده.
وأكد رئيس الاتحاد الأرجنتيني كلاوديو تابيا في وقت سابق أن الدعوة جاءت من أجل منح قائد المنتخب والرمز الأبرز للكرة الأرجنتينية «الوداع الذي يستحقه»، فيما سيكون لقاء بنين الفصل الأخير في مسيرة دولية استمرت لأكثر من عقدين.
اعتزال أول.. وقصة كانت على وشك النهاية
وبحسب تقرير نشرته شبكة «أوبتا»، فإن مشهد الوداع الحالي يختلف جذريًا عن اللحظة التي أعلن فيها ميسي اعتزاله الدولي للمرة الأولى عام 2016.
فبعد الخسارة أمام تشيلي في نهائي كوبا أمريكا المئوية، وجد ميسي نفسه أمام خيبة جديدة، بعدما سبقتها خسارة نهائي كأس العالم 2014 أمام ألمانيا، ونهائيي كوبا أمريكا في 2007 و2015.
وبدا وقتها أن قصة ميسي مع المنتخب قد انتهت من دون أن ينجح في التتويج بالبطولة الكبرى التي ظل يطاردها لسنوات.
لكن قرار الاعتزال لم يستمر طويلًا، إذ تراجع ميسي عنه بعد أسابيع قليلة، لتبدأ لاحقًا مرحلة مختلفة تمامًا، حوّلت مسيرته الدولية من سلسلة من الإخفاقات المؤلمة إلى حقبة من الألقاب والإنجازات.
سكالوني.. نقطة التحول الكبرى
مثّل وصول ليونيل سكالوني إلى قيادة المنتخب الأرجنتيني محطة محورية في مسيرة ميسي الدولية.
وبعد خروج الأرجنتين من كأس العالم 2018 أمام فرنسا، عاش المنتخب فترة اضطراب كبيرة، لكن سكالوني نجح تدريجيًا في إعادة بناء الفريق وصناعة منظومة تستفيد إلى أقصى درجة من قدرات قائدها.
وتشير «أوبتا» إلى أن سكالوني هو المدرب الذي خاض ميسي تحت قيادته أكبر عدد من مبارياته الدولية، وهو ما يعكس حجم الارتباط بين المدرب والمرحلة الأكثر نجاحًا في مسيرة قائد الأرجنتين.
ونجح سكالوني في بناء فريق يمنح ميسي الحرية الهجومية، بينما يتحمل اللاعبون من حوله جانبًا أكبر من العمل البدني والضغط والتحركات دون كرة.
وكانت النتيجة بداية العصر الذهبي الذي انتظرته الأرجنتين طويلًا.
من سنوات الحرمان إلى عصر الألقاب
تبدلت قصة ميسي الدولية بصورة كاملة ابتداءً من عام 2021، عندما نجح المنتخب الأرجنتيني في الفوز بكوبا أمريكا، لينهي قائد «التانغو» انتظارًا طويلًا لأول ألقابه الكبرى مع المنتخب الأول.
ثم جاءت اللحظة الأهم في كأس العالم قطر 2022، عندما قاد ميسي منتخب بلاده إلى التتويج باللقب للمرة الأولى منذ مونديال 1986.
واستمرت الأرجنتين في حصد النجاحات، وأضافت لقبًا جديدًا في كوبا أمريكا 2024، قبل أن تبلغ نهائي مونديال 2026.
وهكذا، تحولت السنوات الأخيرة من مسيرة ميسي الدولية إلى واحدة من أكثر الفترات نجاحًا في تاريخ المنتخب الأرجنتيني.
أرقام استثنائية بقميص الأرجنتين
وتكشف إحصاءات أوبتا حجم الإرث الذي يتركه ميسي خلفه.
ويخوض النجم الأرجنتيني مباراة الوداع وهو صاحب الرقم القياسي لعدد المشاركات والأهداف بقميص منتخب بلاده، بعدما سجل 125 هدفًا خلال 207 مباريات دولية قبل مواجهة بنين.
كما أصبح أحد أبرز اللاعبين في تاريخ كأس العالم، سواء على مستوى المشاركات أو التأثير الهجومي.
وخلال نسختي كأس العالم 2022 و2026 تحديدًا، شهد تأثيره طفرة كبيرة، إذ جاءت النسبة الأكبر من مساهماته التهديفية المونديالية خلال البطولتين الأخيرتين من مسيرته.
وبحسب «أوبتا»، وصل إجمالي مساهماته التهديفية في كأس العالم إلى 33 هدفًا وصناعة، منها 22 خلال نسختي 2022 و2026.
رقم تاريخي في نهائيات كأس العالم
ودخل ميسي سجلات البطولة أيضًا باعتباره أول لاعب يبدأ أساسيًا في 3 مباريات نهائية لكأس العالم للرجال، بعدما شارك في نهائيات 2014 و2022 و2026.
كما خاض ست نسخ مختلفة من المونديال، وشارك في عدد قياسي من مباريات كأس العالم للرجال خلال مسيرته.
وارتبط إرثه المونديالي بصورة خاصة بنسخة قطر 2022، حين قدم واحدة من أبرز بطولاته الدولية وقاد الأرجنتين نحو اللقب الذي ظل غائبًا عن خزائنها لمدة 36 عامًا.
قطر 2022.. اللحظة التي أغلقت باب الانتقادات
ظل غياب كأس العالم لسنوات أحد أبرز المحاور التي استخدمها منتقدو ميسي عند مقارنته بأساطير الكرة الأرجنتينية والعالمية.
ورغم تتويجه بكوبا أمريكا 2021، بقي المونديال بمثابة الاختبار الأخير بالنسبة للكثيرين.
لكن كل ذلك تغير في قطر.
قاد ميسي منتخب بلاده إلى منصة التتويج، ووضع حدًا للجدل بشأن غياب النجاح الدولي عن مسيرته، ليضيف كأس العالم إلى سجل حافل بالإنجازات الفردية والجماعية.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الحديث عن مسيرته الدولية يدور حول ما ينقصها، بل حول حجم الإرث الذي سيتركه للأجيال المقبلة.
علاقة صعبة انتهت بقصة حب
لم تكن علاقة ميسي مع جماهير الأرجنتين دائمًا كما تبدو اليوم.
فخلال مراحل مبكرة من مسيرته، تعرض لانتقادات بسبب المقارنات المستمرة بين أدائه مع برشلونة وما يقدمه بقميص المنتخب، كما واجه ضغوطًا هائلة بسبب غياب البطولات.
إلا أن هذه العلاقة تغيرت بمرور السنوات، قبل أن تصل إلى ذروتها مع ألقاب كوبا أمريكا وكأس العالم.
ووصفت رويترز رحلة ميسي مع منتخب بلاده بأنها قصة طويلة من الصبر انتهت بتحوله إلى رمز يحظى بمكانة استثنائية لدى الجماهير الأرجنتينية.
21 عامًا تصل إلى المحطة الأخيرة
ويحتضن ملعب مونومنتال في بوينس آيرس المباراة الوداعية لميسي أمام بنين، في ليلة أعدها الاتحاد الأرجنتيني خصيصًا للاحتفاء بمسيرة القائد.
ووصف الاتحاد الأرجنتيني المباراة بأنها ليلة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية، إذ تستعد أجيال مختلفة من الجماهير للاجتماع من أجل توديع اللاعب الذي قاد المنتخب خلال واحدة من أعظم حقبه التاريخية.
وسيترك ميسي المنتخب بعد أكثر من عقدين، بعدما بدأ رحلته الدولية في زمن كانت فيه الأرجنتين تبحث عن لقب كبير، وينهيها بعدما أصبح أحد صناع أكثر فتراتها نجاحًا.
ماذا بعد ميسي؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب الذي ينتظر المنتخب الأرجنتيني.
فوفقًا لـ«أوبتا»، لم يكن ميسي في سنواته الأخيرة مجرد قائد رمزي داخل المجموعة، بل ظل عنصرًا حاسمًا في صناعة اللعب والتسجيل وحسم المباريات.
ولهذا سيصبح التحدي المقبل أمام سكالوني هو معرفة ما إذا كانت المنظومة الجماعية التي بناها خلال السنوات الماضية قادرة على المحافظة على نجاحها بعد رحيل اللاعب الذي دارت حوله الكثير من تفاصيلها.
فالأرجنتين صنعت خلال السنوات الأخيرة فريقًا يتميز بالترابط والعمل الجماعي، لكن تعويض الإبداع والقدرة على الحسم التي وفرها ميسي سيكون اختبارًا مختلفًا تمامًا.
الستار يسدل على العصر الذهبي
لم تكن نهاية رحلة ميسي مع الأرجنتين بالشكل الذي بدا محتملًا قبل عشرة أعوام.
في 2016، ابتعد وهو يشعر بأن الألقاب الدولية ليست من نصيبه.
وفي 2026، يرحل بعدما حمل كأس العالم، وتوج بكوبا أمريكا أكثر من مرة، وحطم الأرقام القياسية في المشاركات والأهداف، وأصبح أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في تاريخ منتخب بلاده.
وبين لحظة الاعتزال الأولى والوداع الأخير، عاش ميسي عشرة أعوام غيرت صورته الدولية بالكامل.
وتختتم «أوبتا» قراءتها للمشهد بالتأكيد على أن الأرجنتين تدخل الآن حقبة جديدة ومختلفة، وسط سؤال سيظل حاضرًا لبعض الوقت: هل تستطيع المحافظة على العصر الذي صنعته مع ميسي بعد رحيله؟
أما الآن، فالمشهد ليس مخصصًا للمستقبل بعد.. بل لوداع لاعب منح الأرجنتين ذكريات ستبقى طويلًا بعد صافرة مباراته الأخيرة.





















































