نهاية لا تليق بأحد أهم أساطير كرة القدم، وملك الأرقام الذي اصطحب اسمه كل عناوين الصحافة العالمية قرابة 20 عامًا وأكثر، وظلت صورته الأكثر تزيينًا للأغلفة، والمواقع، وكبرى الإعلانات.
تقول شقيقته: لم يكن رونالدو يستحق هذه الإهانة، فمن المسؤول إذًا؟
مونديال 2022.. إنذار أول
أمام منتخب سويسرا في مونديال 2022 بالدوحة، حل جونزالو راموس، مهاجم البرتغال، في التشكيلة الأساسية بدلًا من كريستيانو رونالدو، وتمكن من تسجيل هاتريك تاريخي في تلك المباراة.
تألق راموس بشكل لافت، وأثار جدلًا واسعًا حول ضرورة أن يلعب دورًا أساسيًا في الفريق على حساب رونالدو الذي لا يقدم نفس المردود الفني والبدني، ويؤثر سلبًا على شكل ونتائج الفريق.
ظل الأمر محل حديث واسع، ليس في البرتغال وحدها، بل من خلال الصحافة العالمية، قبل أن يمتد إلى غرف اللاعبين، والأحاديث الجانبية في معسكر البرتغال، وبدا رؤية عامة تتشكل، اختصارها: رونالدو قد يكون عبئًا على المنظومة، ومعطلًا لطموح الفريق.
مونديال 2026.. تمرد معلن
في المونديال الأخير، والذي أقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمكسيك، خرجت الفكرة التي ظلت حبيسة طوال 4 سنوات من الغرف المغلقة إلى النور وعبر المؤتمرات الصحفية والتصريحات التلفزيونية، بل وتحولت إلى عراك بين عائلات كبار نجوم البرتغال حول أن رونالدو لم يعد مناسبًا لبرازيل أوروبا.
كان روبن نيفيز من أشعل شرارة الغضب، وتحدث بجرأة كبيرة ضد زميله كريستيانو رونالدو عقب مباراة الكونغو الديمقراطية حين قالها بوضوح: رونالدو لم يعد رونالدو، هو مجرد فرد يساهم مثل البقية.
تصريح كان يحمل تمردًا ورفضًا معلنًا وواضحًا، ورآه رونالدو وأسرته إهانة غير مقبولة، جعلته يصرخ لاحقًا بعدما جاءت آثارها أكثر تفاقمًا: “يريدون قتلي بالبندقية”.
روبن نيفيز، الذي كان أحد وربما أهم نجوم الفريق بالسنوات الأخيرة رفقة برونو فيرنانديز، لم يكن الوحيد الذي بعث بإشارة تبدو تعبيرًا عن الموقف الجماعي داخل الفريق، فزميله كونسيساو صرح بنفس الفكرة وقال نفس الكلام: رونالدو مجرد فرد.
لم يعد الدون في مخيلة وعقول زملائه الرجل الاستثنائي، ولا اللاعب الخارق القادر على صنع المستحيل، وبتأكيدهم أنه لاعب عادي دلالات على ما لا يمكن قوله علنًا ويخفونه بداخلهم، وهو إيمانهم الكامل بأن رونالدو يؤدي إلى نقص عددي في المعارك البدنية داخل الملعب، مما يؤثر على المنظومة دفاعيًا، وفي معركة الاستحواذ، وحتى في المردود الهجومي مقارنة بلاعبين شباب أكثر حيوية وركضًا.
كان تألق راموس إنذارًا مبكرًا للدون بأن آن الأوان لتراجع دوره وابتعاده قليلًا حتى لا تثور المجموعة، ومع النتائج السيئة وتوديع مونديال 2022، ترقب الجميع أن يعلن رونالدو اعتزاله الدولي، أو على أقل تقدير غيابه عن مونديال 2026، لكن إصراره على البقاء أدى إلى النتائج ذاتها، والوداع المبكر لجيل يحمل كل مقومات الانتصار والبطولة، ويبدو أن بقاء الدون في الملعب هو أكبر عقباته كما يلمح ويصرح زملاؤه؟
وبعد ما جرى في المونديال الأخير، كان لزامًا على رونالدو أن يعي بأن رصيد الصبر نفد جماهيريًا وإعلاميًا، وأن الخطوة التي ستلي صرخات زملائه هي الطرد، فإما الخروج طواعية اليوم، أو رغمًا عنك غدًا.
بوصول جيسوس كان الأمر واضحًا، على رونالدو القبول بالقواعد الجديدة والارتضاء بدور ثانوي محدود للغاية، يقضي بوجود شرفي حتى ينتهي الموسم ويحقق رونالدو حلم الألف هدف، أو الخروج نهائيًا، وهو ما اعتبره الدون إهانة لاسمه وتاريخه.
إشارات الكبار.. ميسي وزيدان وكرويف
ربما تبدو الطريقة التي خرج بها كريستيانو رونالدو مهينة حقًا، ولا تعبر عن قيمته ومكانته وعطائه الكبير طوال تلك المسيرة، لكن من المتسبب فيها؟
رغم كل هذه الإشارات الحاضرة منذ 2022، وانتقادات زملائه، ومعارك ذويهم وعائلاتهم عبر السوشيال ميديا، لم يحرك الدون ساكنًا، وظل متمسكًا بموقفه، وبأن رصيده يمنحه حق البقاء داخل الملعب ولو بعكاز وعند الستين عامًا.
وبعيدًا عن إشارات الحاضر، فكانت هناك بواعث تاريخية، وجب على الدون أن يقتدي بها، ويسير على دربها، حتى يخرج من الباب الذي يتناسب واسمه، وقيمته.
بعد مونديال 2026 الذي تألق فيه ليونيل ميسي بصورة بارعة، جعلت كل نجوم وأساطير اللعبة يقولون بوضوح إن ما فعله ليونيل في الـ39 من عمره أمر خيالي، قاد منتخب بلاده إلى النهائي، سجل وصنع وراوغ وأمتع، وكان قريبًا من التتويج بالهداف وأفضل لاعب حتى الدقائق الأخيرة من المونديال.
ورغم خسارته البطولة، ظل ميسي اللاعب الأفضل في البطولة بالمخيلة العامة رغم تتويج الإسباني رودري بها، ومع ذلك اختار ميسي أن يخرج كبيرًا، وبذكريات رائعة، ومونديال تاريخي لن ينساه أحد.
أعلن ميسي الاعتزال وهو يقدم أداءات وعطاءات توصف بالخارقة، وهو وصيف العالم، وبين هدافي البطولة وأكثر اللاعبين إمتاعًا وتأثيرًا وحضورًا.
وقبل ميسي بسنوات، وتحديدًا في مونديال 2006، اعتزل زين الدين زيدان في ظروف مشابهة تمامًا، حيث كان في قمة عطائه مع منتخب فرنسا، وكان وصيف المونديال بعد أداء فردي خارق، لا يضاهيه أحد في عنصر الإمتاع والإبهار.
لم ينسَ عالم كرة القدم لحظة مغادرة زيدان نجمًا تاريخيًا عملاقًا، يريد الجميع استمراره ويتهاتف حوله الكبار، بينما هو لا يريد أن يصل إلى منطقة العجز، والخروج ضعيفًا طريدًا.
وقبلهما كان يوهان كرويف في وهج عطائه وقمة تألقه، ويعشق العالم كل ظهور له، ومع ذلك فضل الاعتزال دوليًا عن سن الـ30، ورغم محاولات الضغط عليه، لكنه رفض ذلك، وقرر أن يخرج والجميع يحب بقاءه.
من الحاضر إلى الماضي القريب، والبعيد، كانت العلامات كبيرة، والأمثلة متعددة، لكن رونالدو لم يفهمها، أو ربما تجاهلها ظنًا منه بأن الرجل الاستثنائي الذي لازمه طوال مسيرته لا يعترف بقواعد الآخرين، ويؤمن بقدرته على تحطيمها وتكسيرها كما حطم وكسر كل الأرقام القياسية طوال رحلته، قبل أن يتفاجأ هذه المرة بأن قواعد الزمن، وتحديات الجسد بمرور الوقت، لا ترحم، كما قال ميسي، وآمن بها زيدان وكرويف قبله.


































