المباريات

جميع المباريات
الشباب
الشباب
الاتفاق
الاتفاق
الأخدود
الأخدود
الحزم
الحزم
ضمك‎
ضمك‎
الفتح
الفتح
الخليج
الخليج
الفيحاء
الفيحاء
الهلال
الهلال
الرياض
الرياض
التعاون
التعاون
النجمة
النجمة
الأهلي
الأهلي
النصر
النصر
الاتحاد
الاتحاد
نيوم
نيوم
الخلود
الخلود
القادسية
القادسية

التاريخ.. سعيد! هو واحدٌ منّا.. ونحن منه

حسين الطائي
حسين الطائي١٤ أكتوبر ٢٠٢٦

هناك صورٌ لا تحتاج إلى مصوّرٍ بارع كي تدخل التاريخ، ولا إلى كلماتٍ كثيرة كي تشرح ما حدث فيها.

صورٌ لا تلتقطها العدسات بقدر ما تلتقطها القلوب، ولا تحفظها ذاكرة الهواتف، بل ذاكرة الشعوب.

وهذه واحدةٌ منها!

كريستيانو رونالدو.. الرجل الذي قبّل المجد مرارًا، انحنى هذه المرّة ليقبّل وطنًا!

لم يكن أمام كأسٍ ذهبية، ولا على منصة تتويج، ولا تحت أضواء ليلةٍ كروية كبرى. كان هناك، في لحظةٍ إنسانية خالصة، يرفع قميصًا أصفر إلى شفتيه، ويطبع قبلةً على رمز المملكة العربية السعودية.. السيفين والنخلة.

ذلك الرجل الذي اعتادت الجماهير أن تراه يحتضن الكؤوس، ويصرخ أمام الملايين احتفالًا بانتصاراته، اختار هذه المرّة أن يعبّر عن شيءٍ لا يُقاس بالأهداف، ولا يُكتب في سجلات البطولات.

وكأنّه يقول للسعودية: لم أعد ضيفًا على أرضك.. لقد أصبحتِ جزءًا من قلبي.

ولعلّ أجمل ما في الصورة أنها لم تحتج إلى تصريحٍ مترجم، ولا إلى مؤتمرٍ صحفي، ولا إلى خطابٍ مُعدّ بعناية. فالقلوب حين تتحدث، تصمت اللغات جميعها.

منذ أن وطئت قدماه أرض الرياض، ظنّ البعض أن الحكاية لن تتجاوز عقدًا استثنائيًا بين نجمٍ تاريخي ونادٍ سعودي. قالوا إنها محطة أخيرة في مسيرة رجلٍ أرهق الملاعب، وإنها سنواتٌ سيقضيها بعيدًا عن صخب أوروبا قبل أن يُسدل الستار على أسطورته.

لكنهم نسوا شيئًا مهمًا..

أن بعض الأوطان لا تستقبلك لتقيم فيها فحسب، بل تستقبلك لتقيم فيك.

وهكذا كانت السعودية مع كريستيانو.

فتحت له أبوابها، ومنحته جماهيرها محبةً لا تشبه الأرقام المكتوبة في العقود، ولا تخضع لبنود التجديد والرحيل.

هتفوا باسمه كما لو أنه وُلد بينهم، واحتفلوا بأهدافه كما لو أنها أفراح بيوتهم، وحزنوا لانكساراته كما يحزن المرء لانكسار أحد أحبّته.

ومع الأيام، لم يعد رونالدو مجرد نجمٍ عالمي يرتدي قميص النصر، بل أصبح وجهًا مألوفًا في تفاصيل الحياة السعودية، يشارك أهلها مناسباتهم، ويتفاعل مع ثقافتهم، ويقترب من عاداتهم.

ولم تكن رحلته مجرد انتقالٍ من ملاعب أوروبا إلى ملاعب المملكة، بل كانت جزءًا من فصلٍ جديد في تاريخ كرة القدم السعودية. ففي الوقت الذي كانت فيه المملكة تمضي نحو مشروعٍ رياضي طموح، جاء أحد أعظم لاعبي التاريخ ليكون من أبرز وجوه هذا التحول، ويفتح بحضوره نافذةً أوسع تطلّ منها أنظار العالم على الملاعب السعودية.

لكنّ الأجمل أن الرجل الذي جاء محاطًا بهالة الأسطورة، وجد نفسه مع مرور الأيام محاطًا بمحبة الناس.

فجاء رونالدو إلى السعودية حاملًا تاريخًا يعرفه العالم، ووجد فيها شعبًا منحه حكايةً لم تكن مكتوبةً في ذلك التاريخ.

وهنا تجاوزت العلاقة حدود كرة القدم، ولم تعد السعودية مجرد عنوانٍ جديد في سيرته الذاتية، بل أصبحت فصلًا من سيرته الإنسانية، فصلًا لا تختصره الأهداف، ولا تستطيع الأرقام وحدها أن تروي حكايته.

تأملوا الصورة جيدًا..

ذلك الوجه الذي عرف العالم ملامحه منتصرًا، غاضبًا، متحدّيًا، ومبتسمًا، يبدو هنا غارقًا في شعورٍ لا يمكن اختصاره بكلمة واحدة.

واليدان اللتان رُفعتا مئات المرات احتفالًا بالأهداف، تحتضنان هذه المرّة قميصًا يحمل رمز وطن. أما الشفتان اللتان قبّلتا الكؤوس والميداليات، فتلتقيان بالسيفين والنخلة.

وكأنّ الرجل الذي امتلك قلوب الملايين، أراد أن يعترف بأن هذا الوطن امتلك شيئًا من قلبه أيضًا.

ولأن التاريخ لا يُكتب دائمًا بالحبر، فقد كُتبت في هذه اللحظة حكايةٌ بقبلة.

قبلةٌ لا تمنح السعودية عظمتها، فهي عظيمة بتاريخها وقيادتها وشعبها ومكانتها، لكنها تكشف كيف استطاعت هذه الأرض أن تترك أثرها في قلب رجلٍ عرف مدن العالم، وعاش بين ثقافاتٍ مختلفة، ووقف على أعظم مسارح كرة القدم.

رجلٌ رأى من المجد ما يكفي أعمارًا كاملة، لكنه ما زال قادرًا على أن يُدهشنا بمشهدٍ صغيرٍ في حجمه، عظيمٍ في معناه.

ولعلّ أكثر ما يثير المشاعر أن رونالدو لم يكن بحاجةٍ إلى هذه القبلة ليُثبت مكانته، ولا كانت السعودية بحاجةٍ إليها لتُثبت قيمتها. لكنّ الجمال الحقيقي يكمن في الأشياء التي لا تفرضها الضرورة، وفي المشاعر التي لا يكتبها المحامون في العقود، وفي الانتماء الذي لا تمنحه الجوازات، بل تمنحه القلوب.

كم من لاعبٍ مرّ على أرضٍ ثم غادرها، فلم يبقَ منه سوى رقمٍ في أرشيف نادٍ أو صورةٍ على جدار؟ وكم من نجمٍ حمل شعارًا على صدره سنوات، دون أن يصل ذلك الشعار إلى قلبه؟

فليس كل من ارتدى قميصًا انتمى إليه، وليس كل من عاش في وطنٍ عاش الوطن فيه.

وهنا يكمن الفرق بين لاعبٍ جاء إلى السعودية، ورجلٍ دخلت السعودية إلى وجدانه.

سيأتي يومٌ يعتزل فيه كريستيانو رونالدو كرة القدم. ستتوقف الأقدام التي ركضت خلف المستحيل، وستهدأ المدرجات التي اهتزت باسمه، وسيُغلق الفصل الأخير من واحدةٍ من أعظم الحكايات في تاريخ اللعبة.

ستبقى أهدافه، وأرقامه، وبطولاته، وكل تلك التفاصيل التي جعلت منه أسطورةً لا تتكرر بسهولة.

لكنّ السعودية ستحتفظ بصورةٍ مختلفة.

صورة رجلٍ لم يرفع كأسًا، ولم يسجل هدفًا، ولم يحتفل بانتصار، بل رفع قميصًا إلى وجهه، وأغمض عينيه، وقبّل رمز وطنٍ أحبّه.

وحين يسأل التاريخ يومًا عن حكاية كريستيانو رونالدو مع السعودية، فلن تكون الأرقام وحدها كافية للإجابة.

ستكون هناك صورة..

وقبلة..

ووطنٌ عرف كيف يحوّل الغريب إلى حبيب.

وسيعرف التاريخ حينها أن كريستيانو لم يأتِ إلى السعودية ليترك فيها اسمه فقط.. بل ليترك فيها شيئًا من قلبه، ويحمل منها شيئًا في قلبه إلى الأبد.

هو واحدٌ منّا.. ونحن منه.

ولهذا، حين قبّل كريستيانو السيفين والنخلة.. لم يكن التاريخ شاهدًا فقط.

كان التاريخ.. سعيدًا!

عاجل