الاستقرار في الاتجاه الصحيح، منهج تستدعيه كبار المؤسسات العملاقة في شتى المجالات وبكل أنحاء العالم، وليس قاصرًا على كرة القدم فحسب، فالعباقرة قلائل، والأشخاص المناسبون لا تجدهم كل يوم، والقادة بما يمتلكون من سمات متفردة واستثنائية غير متاحين كبقية الموظفين وذوي الأدوار الروتينية.
مارس آرسنال صبرًا كبيرًا مع أرتيتا، ولم يعد إلى قمة البريميرليغ سوى في عامه السابع مع الفريق، رغم أنه واجه انتقادات كبيرة، ودعوات مستمرة للإقالة، لكن الإدارة كانت خطتها تسير في الاتجاه الصائب، بدءًا بالمركز الثامن، ثم التقدم إلى المركز الخامس في الدوري الإنجليزي، ثم الوصافة ثلاث مرات، قبل أن يتوج العام الماضي، ويصل إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، الذي خسره بركلات الترجيح، ويصبح اليوم المرشح الأول للفوز بالبريميرليغ في السنوات المقبلة.
في المقابل، استبدل مانشستر يونايتد عشرات المدربين، منذ رحيل السير أليكس فيرغسون، الذي قدم نموذجًا آخر عن ندرة الأساطير، وصعوبة تكرار القادة المميزين، وأهمية البناء معهم وحولهم دون تشتيت. لم يجد الشياطين الحمر إنجازًا، ولم يعد تموضع عملاق الإنجليز الأول كما كان بين كبار أوروبا، وسار حلمه فقط مع نهاية كل عام نحو مركز يؤهله إلى دوري الأبطال ويحفظ ما تبقى من هيبة ومكانة.
لن يعود مانشستر إلى القمة إلا بالعثور على قائد يناسب المنظومة، ويمنحه الجميع الخطة والصبر والدعم، كما فعل آرسنال مع أرتيتا، وهذا تحديدًا ما نحتاج إلى استدعائه في النظر إلى مستقبل المنتخب السعودي رفقة جورجيس دونيس.
هل قدم اليوناني علامات تقول بأننا نسير في الاتجاه الصحيح الذي وجب دعم استقراره؟
تقول لغة الأرقام إن الأخضر تحرك في التصنيف العالمي مع دونيس، رغم قصر المدة التي لم تتجاوز 6 أشهر، 6 مراكز في التصنيف العالمي، ليصبح ترتيبه 54 بدلًا من 61 وقت رحيل هيرفي رينارد، كما تقدم عربيًا من التصنيف السابع إلى الرابع.
وتبين الحقائق أن المنتخب السعودي رفقة المدرب اليوناني عاد إلى الألقاب بعد غياب دام طويلًا منذ 2003، واستعاد هيبته ومكانته خليجيًا وعربيًا، بتتويجه بخليجي 27.
كما أن لغة الأرقام ذاتها تقول إن المنتخب السعودي لم يستقبل هدفًا واحدًا في أي مواجهة، ولم يفقد الاستحواذ أمام أي منافس، ولم يصنع أي فريق فرصًا أكثر منه، أي أنه تفوق كليًا ورقميًا.
ماذا عن الاختبار العالمي؟
في كأس العالم، لم يكن هناك متسع من الوقت لكي يجرب دونيس أفكاره، أو يطور أسلوبًا خططيًا، أو يجلب لاعبين جددًا، ومع ذلك قدم ملحمة تاريخية أمام أوروغواي، وكان سببًا في الإطاحة بأحد أهم المنتخبات العالمية من الدور الأول، تحت قيادة أحد أهم أساطير التدريب، بيلسا، وبرفقة عدد من نجوم عمالقة أوروبا، مثل فالفيردي، نجم وسط ريال مدريد.
بناء الثقة
وبعيدًا عن الأرقام، فإن أهم مكاسب مرحلة دونيس هي استعادة الثقة في المنظومة إلى الدرجة التي دفعت الجماهير تثور عبر السوشيال ميديا وتطالب بإبقائه، وهذا مؤشر رائع على التحول في النظرة الجماهيرية والإعلامية إلى مدرب المنتخب الوطني، بعد سنوات من التشكك والريبة والانقسام حول رينارد.
لن يكون من السهل زرع الثقة ثانية في رجل جديد، والتفريط في مكسب بهذه القيمة قد تكون له تكلفة باهظة لاحقًا، ولن يداويه غير التتويج ببطولة أمم آسيا المقبلة، وأي نتيجة غير اللقب لن تكون مقبولة عند الجمهور، مما يعيد صناع القرار إلى دائرة الانتقادات الواسعة.
دونيس لا يتمتع بثقة الجمهور فحسب، بل نال ثقة لاعبيه بشكل كبير منذ كأس العالم، فخرج كل عناصر الأخضر يدافعون عنه وعن الطريقة التي لعبوا بها، وأكدوا أنهم راضون عن المردود والعطاء، وإن لم يكن يناسب الأمر طموحهم، فهذا يأتي مع التطور وتدرك الأمر.
امتد التناغم بين اللاعبين ودونيس إلى خليجي، وأتت أول ثماره بالتتويج بأول لقب.
تطوير المنتخب
كما أسهم المدرب اليوناني في تطوير شكل المنتخب السعودي عبر ضخ دماء جديدة، مثل همام الهمامي، ولا يمكن أن نعتبر تتويجه بجائزة أفضل لاعب في كأس خليجي 2027 مجرد شيء صدفي، أو إنجازًا صغيرًا، فهو رهان يستحق عليه المدرب الثناء والمديح من جهة، وشهادة تبين عمق رؤيته وقراءته لقدرات اللاعبين وكيفية الاستفادة منهم.
ونجح دونيس أيضًا في الاعتماد على صالح أبو الشامات ليصبح صانع الألعاب الأول، ويلعب دورًا محوريًا، وعرف كيف يصوب خطأه باستبعاده من كأس العالم الأخيرة ليحوله إلى ضابط إيقاع الفريق، وأهم محركي الأداء في الملعب.
وأجاد دونيس التعامل مع أزمة عبدالله الحمدان، فوقف يحميه من موجة الغضب، وألقى باللوم على الأندية التي لا تعطيه وغيره من النجوم دقائق كافية للتطور والتقدم والارتقاء في المستوى والقدرات.
الأصلح لأمم آسيا
يعد دونيس هو الاختيار المثالي لأمم آسيا، خاصة أن البطولة تقام على أرض المملكة وبحاجة إلى مدرب يعرف كل تفاصيلها.
المدرب اليوناني درس الهوية السعودية جيدًا، وتمرس على التكيف معها، وعرف كيف يخرج أفضل ما فيها، وأدرك أن الروح والشغف السعوديين هما السلاح الذي يمكن من خلالهما تقديم أفضل النتائج.
يلعب دونيس على التحفيز والجوانب المعنوية أكثر، ويضاعف طاقات رجاله، وهذا هو أكثر ما يحتاجه أي منتخب وطني يلعب بين جماهيره، فلست بحاجة إلى عبقري في الأساليب التكتيكية بقدر حاجتك إلى قائد ملهم ومحفز.
الدفع بعنصر جديد لن يعطيه الوقت الكافي لدراسة العناصر، وإن كان مدربًا يميل لتجريب طرق لعب عصرية ويراهن على المغامرة هجوميًا، فهذا رهان ليس توقيته بالمرة.
في المباريات الإقصائية، يحتاج المنتخب إلى رجل مثل دونيس لعب 5 مباريات بلا استقبال أي هدف، ويعرف كيف يسجل من أنصاف الفرص، وكيف يحمي مرماه، وكيف يحاصر منافسيه، فالرهان على عنصر جديد في هذا التوقيت هو أكبر مخاطرة.



































































