المباريات

جميع المباريات
الهلال
الهلال
الاتفاق
الاتفاق
الأخدود
الأخدود
الحزم
الحزم
ضمك‎
ضمك‎
الفتح
الفتح
الخليج
الخليج
الفيحاء
الفيحاء
الشباب
الشباب
الرياض
الرياض
التعاون
التعاون
النجمة
النجمة
الأهلي
الأهلي
النصر
النصر
الاتحاد
الاتحاد
نيوم
نيوم
الخلود
الخلود
القادسية
القادسية

صقر واحد.. ورحلتان بين الطاروح والصقار

عيسى الجوكم
عيسى الجوكم١ نوفمبر ٢٠٢٦

الشاهين في وقفته على منصة مزاد المركز الوطني للصقور، وصل إلى هذه اللحظة بعد رحلة سبقتها رحلة أخرى؛ الأولى عاشها الطاروح في الميدان حتى نجح في شبك الصقر، والثانية تبدأ بعد انتهاء المزاد حين ينتقل إلى الصقار الذي سيعتني به ويدرّبه ويقضي معه موسمًا جديدًا.

بين الطاروح والصقار علاقة مختلفة بالصقر، يلتقيان عند الشغف ويفترقان في طبيعة التجربة، فالطاروح ينتظر موسم الهجرة ويتابع حركة الصقور ويعرف المواقع وأوقات العبور ويتعامل مع احتمالات مفتوحة، وقد يقضي أيامًا طويلة في الميدان من دون أن يطرح صقرًا واحدًا، لذلك تحمل لحظة الطرح لديه معنى يتجاوز امتلاك الصقر، فهي نتيجة خبرة وانتظار وقراءة للمكان والوقت وسلوك الطائر.

لهذا نفهم فرحة الطاروح حين ينجح في طرح شاهين بعد أيام من الترقب، ونفهم أكثر لماذا يتحدث بعض الطواريح عن تلك اللحظة باعتبارها مكافأة موسم كامل، فالنتيجة غير مضمونة، والمسافة التي يقطعها الطاروح أو الأيام التي يقضيها في البر لا تعني أنه سيعود بصقر، وهذه المساحة بين الانتظار والتوفيق هي جزء أساسي من تجربة الطرح ومن المعرفة التي تراكمت لدى ممارسيه عبر أجيال.

أما الصقار فيلتقي بالصقر عند نقطة مختلفة، فهو ينظر إليه بعين تبحث عن التفاصيل التي يمكن أن تحدد مستقبله معه، يتابع المقاس والوزن والبنية وحالة الصقر وصفاته، ثم يبدأ بعد الشراء عمل آخر يحتاج إلى معرفة وصبر وانضباط، من العناية والتأهيل إلى التدريب والمتابعة، وصولًا إلى بناء علاقة يعرف فيها الصقار طبع صقره واستجابته وقدرته.

وهنا تتضح خصوصية العلاقة بين الطرفين، الطاروح يختبر مهارته في الوصول إلى الصقر، والصقار يختبر خبرته في التعامل معه بعد وصوله، الأول يراقب السماء ومسارات الهجرة، والثاني يراقب تفاصيل الصقر وسلوكه وأداءه، وبين التجربتين تنتقل المعرفة من مجال إلى آخر من دون أن تفقد الصقارة جوهرها.

وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل مزاد المركز الوطني للصقور أكثر من موقع لبيع الصقور، فالمنصة تجمع في مكان واحد طرفين كان لكل منهما تاريخ طويل مع الصقر بطريقته الخاصة، الطاروح يأتي بالصقر من الميدان، والصقار يبحث عن الصقر الذي يناسبه، فيما ينظم المزاد عملية انتقاله من أحدهما إلى الآخر ويوثّق البيع ويحفظ حقوق المشاركين.

هذا التنظيم أضاف بعدًا مهمًا إلى موسم الطرح، فالصقر الذي يصل إلى المزاد يمر بمسار واضح يبدأ باستقباله وتوثيق بياناته ونقله، ثم عرضه أمام المهتمين ضمن مزايدة مباشرة، وفي المقابل يحصل الطاروح على خدمات تشمل النقل والسكن وغيرها من الترتيبات التي تخفف عنه أعباء الوصول إلى السوق، بينما يستطيع الصقار متابعة الصقور المعروضة والمنافسة عليها ضمن بيئة منظمة وضعها المركز الوطني للصقور.

وتكتسب هذه العلاقة أهمية أكبر عندما نضعها في سياق استدامة الصقارة نفسها، فالمزاد يقتصر على فروخ الشاهين البحري المهاجر التي تُطرح داخل المملكة، فيما لا يدخل الشاهين القرناس والصقر الحر ضمن المزاد، في توجه يربط ممارسة الموروث بالحفاظ على السلالات واستمرارها، ويؤكد أن استدامة الصقارة تعتمد على التوازن بين استمرار الممارسة والمحافظة على مواردها.

في نهاية المطاف قد يغادر الصقر منصة المزاد مع مالك جديد، لكن قصته لا تبدأ هناك ولا تنتهي عندها، فقد سبقتها أيام عاشها مع الطاروح وتنتظره أيام أخرى مع الصقار، وبين الرحلتين تتجدد الصقارة باعتبارها معرفة وعلاقة وممارسة مستمرة، ويظل الصقر هو النقطة التي يلتقي عندها طريقان مختلفان يجمعهما شغف واحد.

عاجل