وإنما كان ملعب المدرسة، حيث وقف معلم التربية البدنية في موقع يشبه "الكشاف الأول" الذي يرى الموهبة قبل أن تعرفها الجماهير.
ومن أبرز النماذج السعودية في هذا السياق صالح الشهري، مهاجم المنتخب السعودي، الذي سبق أن تحدث بنفسه عن الدور الذي لعبه المدرب عبدالله عسيري في بداية مسيرته، بعدما شاهده يلعب كرة القدم في المدرسة والحارة، ثم اهتم بتطويره من خلال التدريبات في أكاديميته.
الشهري أوضح أن بدايته كانت على يد عبدالله عسيري، وأن الأخير كان من أوائل الأشخاص الذين آمنوا بقدرته على الوصول إلى كرة القدم الاحترافية، حتى إنه تواصل مع النادي الأهلي لإتمام انتقال اللاعب، بعد إقناع والده بالسماح له بخوض التجربة إلى جانب الدراسة.
القصة لم تتوقف عند اكتشاف الموهبة، إذ تحول عبدالله عسيري نفسه لاحقًا إلى مدرب، بينما واصل الشهري طريقه حتى أصبح لاعبًا دوليًا وواحدًا من الأسماء البارزة في الكرة السعودية، لتصبح البداية التي ظهرت في المدرسة والحارة نقطة الانطلاق لمسيرة احترافية امتدت إلى أندية عدة والمنتخب السعودي.
مرحوم المرحوم.. مدرس التربية البدنية يفتح باب النصر
قصة أخرى أكثر وضوحًا في العلاقة بين المدرسة واكتشاف نجوم الكرة السعودية، بطلها مرحوم المرحوم، أحد نجوم النصر السابقين.
المرحوم تحدث عن الفضل الذي يعود إلى المدرب الوطني محمد الجنوبي، الذي اكتشفه عندما كان معلمًا للتربية البدنية في المرحلة الابتدائية.
وحسب رواية اللاعب، كان الجنوبي سببًا في انتقاله من مدرسته إلى مدرسة أبو عبيدة بن الجراح، حيث كان يعمل، بعدما لفت نظره لموهبته وأغراه باللعب على الملعب العشبي، قبل أن يصل اللاعب لاحقًا إلى كشوفات النصر.
محمد الجنوبي، الذي كان لاعبًا ومدربًا ومعلمًا للتربية الرياضية، كان أول من اكتشف موهبة مرحوم المرحوم وفيصل سيف، وسجلهما في كشوفات النصر، بعدما شاهدهما خلال عمله في مجال التعليم.
وهنا تظهر قيمة معلم التربية البدنية بصورة مختلفة؛ فهو لا يكتفي بتعليم الطلاب أساسيات اللعبة أو تنظيم مباريات المدرسة، وإنما يمكن أن يكون الشخص الذي يلاحظ الفارق بين طفل يلعب من أجل المتعة وآخر يمتلك موهبة تستحق أن تحصل على فرصة أكبر.
من معلم المدرسة إلى منظومة اكتشاف المواهب
هذه القصص الفردية أصبحت اليوم جزءًا من فكرة أكبر في السعودية، بعدما دخل اكتشاف المواهب الرياضية في المدارس ضمن برامج أكثر تنظيمًا.
وتوضح أكاديمية مهد الرياضية أن برنامج "تمهيد" يستهدف بناء قاعدة بيانات تساعد في اكتشاف المواهب الرياضية وتطويرها من خلال تفعيل دور معلمي ومعلمات التربية البدنية، الذين يشاركون في قياس القدرات والمهارات الرياضية للطلاب والطالبات.
كما يستهدف برنامج "تكوين" تطوير المهارات الحركية للأطفال في الفئات السنية الصغرى، مع تمكين المدربين ومعلمي التربية البدنية من القيام بدور أكبر في منظومة اكتشاف المواهب.
وتتوسع هذه المنظومة حاليًا عبر أكاديمية مهد، التي أطلقت في سبتمبر 2026 تجارب أداء لكرة القدم تستمر حتى ديسمبر، وتقام في 16 مدينة ومنطقة سعودية، وتستهدف اللاعبين من مواليد 2013 حتى 2017.
وتشمل التجارب أبها، مكة المكرمة، تبوك، جازان، حائل، القصيم، حفر الباطن، الباحة، المدينة المنورة، عرعر، ينبع، نجران، سكاكا، وادي الدواسر، الطائف والخرج.
كما أطلقت أكاديمية مهد في 2025 برنامج "تكوين" عبر 16 مركزًا في 13 منطقة إدارية بالتعاون مع وزارة التعليم، بهدف اكتشاف وصقل المواهب الرياضية من الطلاب والطالبات، وتوفير مسار مبكر لتطوير قدراتهم.
وبين قصة صالح الشهري مع عبدالله عسيري، ورحلة مرحوم المرحوم التي بدأت من حصة التربية البدنية مع محمد الجنوبي، وصولًا إلى برامج مهد الحالية، تبدو الفكرة واحدة رغم اختلاف الزمن: قبل أن يصل اللاعب إلى النادي، هناك شخص ربما يكون أول من يرى فيه شيئًا لا يراه الآخرون.
وفي كرة القدم السعودية، لم يكن المعلم دائمًا مجرد شخص يقف أمام الطلاب في الفصل أو داخل ملعب المدرسة، بل كان في بعض الحالات أول من قال للاعب صغير إن موهبته تستحق فرصة، وربما كان ذلك الاكتشاف المبكر هو الخطوة الأولى في طريق لاعب وصل لاحقًا إلى النصر أو الأهلي أو الهلال، ثم إلى قميص المنتخب السعودي.
ولهذا، فإن الاحتفال باليوم العالمي للمعلم في ملاعب كرة القدم السعودية لا يتعلق فقط بالمعلم الذي يدرّس، وإنما أيضًا بالمعلم الذي يرى الموهبة قبل الشهرة.



































