استقبل الجمهور المدير الفني الجديد مارينو بوسيتش بصافرات الاستهجان التي لم يفهم سببها، لكن ربما اتضحت الأمور بالنسبة له حينما هاجموا المدير الرياضي بيدرو باراز وطالبوه بالرحيل، هنا أدرك أن الغضب عام، وأن شخصه ليس المقصود.
لكن على أرضية الميدان قدم الأهلي عرضًا كرنفاليًا، أبدع فيه نجومه، وتألقوا كما عادتهم، ونجحوا في حصد النقطة السادسة لبعث رسالة قوية بأنهم يدخلون الموسم الجاري من أجل التتويج، واللقب المرتقب، لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان عقب المباراة: هل تعبّر الرباعية عن شراسة أهلي مارينو بوسيتش؟ وهل أنها مقدمات بطل جديد لروشن؟
النتيجة لا تكفي
حينما تنظر إلى النتيجة، وترى المحصلة النهائية 4-0، فإنك بشكل مباشر ستجيب على الأسئلة السابقة بنعم.
لكن باقتحام التفاصيل، وتشريح المباراة، وقراءة كافة الأرقام الأخرى، ربما تتردد.
في المباراة الأولى أمام الدرعية فاز الأهلي بهدف وحيد، لكنه افتقد الاستحواذ، وفي مباراة الليلة حقق فوزًا عريضًا، لكنه في الوقت ذاته لم يحقق رقم استحواذ جيد، واقتسم التحكم بالكرة بنسبة 50% لكل فريق، رغم الفجوة الكبيرة بين مستوى الفريقين، ورغم إقامة المباراة على أرض الراقي.
زعم المدير الفني الجديد مارينو بوسيتش أنه مؤمن بالكرة الشاملة، وهي أسلوبه ونهجه اللذان سيعتمد عليهما مع الأهلي، لكن كلتا المباراتين لم تعبّرا عن ذلك أبدًا، ولم يظهر الأهلي في ثوب الفريق الساعي للتحكم الكلي ولعب الكرة الشاملة التي تقوم على استحواذ كبير وامتلاك الكرة دائمًا.
لم يكن الأهلي الطرف المتحكم والمستحوذ بشكل كلي أمام فريقين بحجم أبها والدرعية، فكيف يمكن أن يكون شكله أمام الهلال والقادسية؟ هنا تساؤل يزيد الشكوك حول هوية الأهلي الجديد، وهل حقًا سيتبع المدرب الجديد سياسة تقوم على الاستحواذ والكرة الشاملة.
الأهداف.. السر في التحولات
ثمة عامل آخر يبرز نقطة التفوق التي ميّزت الأهلي الليلة، لكن في الوقت نفسه تثير الشكوك حول قوة الفريق مستقبلًا أمام أنماط مختلفة، وفرق أقوى، وكذلك حول الأسلوب الذي سينتهجه مارينو بوسيتش.
هذا العامل يتلخص في أن قوة الأهلي كانت قاصرة على التحولات، لا على الهجوم المنظم الذي يبرز قدراتك الحقيقية في فك التكتلات وتجاوز الدفاعات الصعبة.
ثلاثة أهداف سجلها إيفان توني، بينها ضربة جزاء، وهدفان من تحولين استفاد خلالهما من غياب التمركز، وظهور مساحات واسعة، ربما عبّرت أكثر عن تواضع منافس أكثر منها قوة فريقك.
وفي الهدف الرابع الأكثر من رائع لترينكاو كان الأمر كذلك عبر مرتدة ومساحات واسعة.
سجل الأهلي فقط عبر التحولات، وهنا يبرز تساؤل آخر: ماذا ستفعل أمام التكتلات الصعبة، والفرق المنظمة، خاصة وأن الهدف الذي جاء في الدرعية بالمباراة الأولى كان من خلال هذه الفكرة أيضًا.
أرقام ومؤشرات للمستقبل
رغم أن النتيجة جاءت عريضة، لكن هناك مجموعة أرقام أخرى ستبيّن عاملًا مهمًا للغاية.
أولًا الأهلي سدد 7 مرات فقط على المرمى، وهذا رقم ضعيف للغاية مقارنة بعدد الأهداف، وكذلك نسبة أهدافه المتوقعة بلغت 2.7 هدف، أي أقل من المسجل.
وهنا تبرز نقطة قوة كبيرة للفريق ربما تعبّر عن نهج مستقبلي، وفكرة تقوم عليها الإدارة، وهي الاعتماد على عناصر فردية حاسمة في الخط الأمامي.
تميّز الأهلي ببراعة أفراده، فخط هجومه يضم كوكبة، كل لاعب فيها يجيد الصناعة والتسجيل من أنصاف الفرص، فالفريق وفقًا للأرقام والإحصاءات صنع 4 فرص تهديف مؤكدة فقط، بما يعني دقة 100% لخطه الأمامي.
امتلاك مهاجم فريد مثل إيفان توني يجعلك في غنى عن صناعة عشرات الفرص، فهو يحتاج إلى كرة واحدة بالقرب من المرمى ليصنع الفارق، ويكفيه ربع فرصة ليسجل هدفًا.
وكذلك سبيرتسيان، صفقة من العيار الثقيل، لاعب يمثل نموذجًا رائعًا في عملية التحولات واستغلال المساحات، ولديه قدرات فائقة في التأثير والفاعلية قرب مرمى المنافس.
إضافة إلى ترينكاو، الذي يملك عينًا ثاقبة، وعقلًا ذكيًا للغاية، وقدمًا قوية، ويمكنك الحصول على انطباع عام من هدفه الخيالي وتسديدته البعيدة الليلة، وقبلها التمريرة الحاسمة الرائعة.
ومعهما جالينو، صانع ألعاب من طراز فريد، وسرعات كبيرة للغاية.
ماذا ينتظر الأهلي؟
تقول الأرقام والمعطيات السابقة إن الأهلي لديه هجوم جبار، ربما الأقوى داخل روشن هذا الموسم على مستوى الأفراد والتأثير، لكنه لا يسجل سوى عبر التحولات، وحينما تتاح مساحات واسعة فقط، ولم يُختبر بعد أمام التكتلات.
وهذا ينذر أيضًا بخطر شديد، فغياب قوة لاعبي الوسط قد يعيق هذا الهجوم في اختبارات أقوى، وتحديدًا أمام الدفاعات الصلبة والفرق المتكتلة، وهو ما يجعل حاجة الفريق لمحور وسط قادر على ضبط الإيقاع ومد الهجوم بتمريرات حاسمة، وإعانته على الاختراق، أمورًا لا غنى عنها.
نحن أمام مسارين، إما أن تكمل الإدارة بناءها، وتستجيب لدعوات الجماهير بضم صفقة كبيرة في الوسط لعلاج القصور الواضح على مستوى الاستحواذ والتحكم، أو أنها تراهن على جودة المهاجمين فقط.
في ريال مدريد اتبع فلورنتينو بيريز فلسفة هجوم قوي يضم جبابرة و يحسم كل شيء، لكن هذه السياسة كانت مناسبة للمنافسة في البطولات الإقصائية فقط، فلم يشفع له ذلك في تحقيق الأرقام والبطولات المطلوبة على مستوى الدوري الإسباني.
ربما تتناسب فلسفة التحولات، والرهان على حسم المهاجمين في البطولات الإقصائية مثل دوري أبطال آسيا، لكن لاحقًا ستظهر أزمات حينما يتعلق الأمر بالمنافسة على الدوري، ومن هنا تبرز قيمة الحاجة لضم لاعب وسط كبير يعوض كيسيه.







