ثلاثة أسئلة، وثلاث إجابات، يمكننا من خلالها استخلاص شكل ونتيجة المواجهة الأقوى لمنتخبنا في كأس العالم، حينما يواجه العملاق الأوروبي إسبانيا في ثاني جولات دور المجموعات، مساء الأحد.
البناء على الأوراجواي
حينما يتعلق الأمر بمواجهة الماتادور في نسخته المعاصرة، فإن أقوى الأسلحة التي يجب على منافسه دخول المباراة بها، هي سياسة وفلسفة الصبر أمام فريق لا يكل ولا يمل من الاستحواذ على الكرة وتدويرها من أقصى جانب الملعب إلى الآخر، ومن الأمام للخلف والعكس.
يراهن الإسبان دائمًا على أن الاستحواذ هو بطل اللعبة، وأن المنافس لا بد أن يأتي وقت ويمل أمامك، وأنه بمقدورك، مع مرور الوقت، فك أي تكتل من خلال أكبر عدد من التمريرات وتحقيق الكثافة العددية في مناطق متقدمة من الملعب.
أمام الأوراجواي كنا أمام اختبار تجهيزي لمباراة أكثر شراسة وقوة، لذلك من الضروري البناء على ما جرى من انضباط خططي وصبر كبير أمام الهجمات التي لم تتوقف.
كان الشوط الثاني تحديدًا، وعقب تسجيل الهدف، هو السيناريو الأقرب للضغط الإسباني المحتمل، حيث سيسعى الماتادور لتعويض تعثره بالتعادل أمام منتخب كاب فيردي في المباراة الأولى بالبطولة.
لكن هناك اختلافًا محوريًا بين المدرستين والأسلوبين، فالمنتخب الأوراجواياني يراهن أكثر على القوة البدنية وكسب الثنائيات والسرعات، بينما سيميل المنتخب الإسباني إلى الجانب المهاري والذكاء في الاختراق.
لذلك فإن رجال الأخضر سيكونون مطالبين بدرجات تركيز أعلى أمام نوعية أمهر وأكثر ذكاءً في المواقف والصراعات الثنائية.
درس كاب فيردي ومصر
إذا كنا بحاجة إلى نموذج استرشادي للطريقة التي يمكننا فيها تعجيز منتخب إسبانيا وتعقيد مهمته، فليس أقرب لنا من مواجهتي إسبانيا أمام كاب فيردي في افتتاح مشوار المونديال، وقبلها بأشهر قليلة أمام منتخب مصر في ودية تجريبية.
ترك كاب فيردي الاستحواذ طواعية أمام فريق لا يمكنك منافسته على الكرة، وعاد للخلف يدافع بمنظومة مكونة من خطي دفاع 4 فوق 4، واكتفى بثنائي في المقدمة لممارسة الضغط على القائمين بعملية بناء الهجوم.
رغم أن إسبانيا حصلت على استحواذ بنسبة 74%، وهي واحدة من أعلى نسب البطولة حتى الآن، إلا أنها لم تصنع سوى فرصتين مؤكدتين للتهديف، مقابل فرصة لكاب فيردي.
وهنا برزت قيمة الصبر الذي مارسه مدافعو كاب فيردي، وانضباطهم الخططي، وتموضعهم بالشكل المثالي الذي ضيق كل المساحات أمام العملاق الإسباني، وحرمه من إيجاد فرص تهديف حقيقية.
ستكون الكثافة العددية للأخضر في الثلث الأخير من الملعب، مع اليقظة الذهنية العالية لحرمان المنافس من المساحات، هي أهم ما نحتاجه لعبور هذه الملحمة الصعبة.
ومن أهم الأفكار التي راهن عليها منتخب كاب فيردي لشل المنتخب الإسباني، هي حرمان الأجنحة من اكتساب موقف لاعب ضد لاعب، وهو الأمر الذي يجب أن يتكرر اليوم، فمن الضروري أن يكون هناك دعم مكثف لظهيري الجانب سعود عبد الحميد ومتعب الحربي من قبل لاعبي الوسط، وعدم تركهما في مواجهة ثنائية أمام يامال وويليامز، أو بدائلهما.
لفك التكتل، يملك المدرب الإسباني دي لا فوينتي مجموعة حلول، أبرزها اللعب في المساحات الميتة بين الظهيرين وقلبي الدفاع، وهنا سيكون الرباعي الخلفي بحاجة إلى مضاعفة تركيزه لخنق تلك المساحات، وعدم منح لاعبي الوسط الإسباني أي فرصة للاختراق منها.
كذلك يلجأ دي لا فوينتي، بعد تجميع اللعب بإحدى الجهات، إلى تقدم أحد لاعبي الوسط خلف قلبي دفاع المنافس لإرسال كرة طولية، والأمر هنا يحتاج أيضًا إلى استفاقة كبيرة من قلبي الدفاع والحارس.
استعادة سيناريو الأرجنتين
هجوميًا يمكننا الاستفادة من مسارين، الأول تجربتنا أمام الأرجنتين في مونديال 2022، والثاني تجربة المنتخب المصري الودية أمام إسبانيا.
نجح المنتخب المصري في تقديم مباراة رائعة أمام إسبانيا من خلال حيلتين، الأولى هي القدرة على التدوير وتقديم عدد تمريرات كافٍ، حتى لا تكون رهينة للدفاع فقط ومطاردة الكرة طوال الوقت.
تقارب اللاعبين من بعضهم البعض، والتمرير القصير، وتجاوز عملية الضغط في الثلث الأول من الملعب، ستفتح الطريق إلى المرمى الإسباني وتجعل قدرتنا عالية في الحصول على فرص تهديف مؤكدة.
اعتمد المنتخب المصري على هبوط المهاجم عمر مرموش للخلف، وانطلاق الظهير أحمد فتوح، مع تقارب لاعبي الوسط، فشكلوا خطورة كبيرة ونجحوا في الظهور بندية كبيرة في أكثر من موقف.
إن ميزة إسبانيا في التحكم بالرتم وتوجيه المباراة أمام أي خصم يقابله، يقابلها عيب شديد يمكن استغلاله، وهو بروز مساحات شاسعة من بداية منتصف ملعب الماتادور، وهو ما يمكننا استغلاله لصناعة تحولات هجومية خطيرة تذكرنا بما فعلناه أمام الأرجنتين.
فراس البريكان سيكون دوره محوريًا في ليلة للتاريخ، فعليه العودة إلى الوسط والوقوف كمحطة مهمتها الخروج بالفريق إلى النصف الثاني من الملعب، قبل التمرير في المساحات الشاسعة للجناحين المتقدمين ولاعبي الوسط.
تقدم أحد الأظهرة، على أقل تقدير، في الهجمات المرتدة، سيكون سلاحًا مهمًا للغاية، فيمكن لسعود عبد الحميد أو متعب الحربي أن يكون صانع الهدف الذي نترقبه جميعًا، فالأمر لن يكون قاصرًا على مواجهة الأجنحة فحسب، بل ستلعب التكملة الهجومية والتحول في التوقيت المثالي أدوارًا كبيرة في تحديد قدرتنا على التسجيل.










