قبل أن تدور الكرة، نكون قد حسمنا كل شيء تقريباً.
البطل، المنافس، النجم، وحتى المفاجأة..
ثم تبدأ المباراة، وتبدأ التوقعات بالسقوط.
وللجولة الأولى سحرها الخاص؛ تأتي بعد انتظار طويل، محمّلة بأسئلة الصيف كلها، ثم تحتاج إلى تسعين دقيقة فقط لتبعثر بعضها.
وهكذا جاءت افتتاحية دوري روشن؛ لم تحسم شيئاً بالتأكيد، لكنها عبثت قليلاً بما رسمناه قبل البداية، وكشفت مبكراً مَن وصل جاهزاً، ومَن تعثر عند أول الطريق، ومَن اختار أن يسبق التوقعات إلى المشهد.
النصر، حامل اللقب، خرج ربما بوصفه الرابح الأكبر. ثلاثية نظيفة وصدارة مبكرة، والأهم أنها جاءت من دون كريستيانو رونالدو. وفي فريق اعتدنا أن تتجه البوصلة فيه نحو قائده البرتغالي، كانت الرسالة أبعد من نتيجة مباراة: قد يغيب النجم الأول، لكن شخصية البطل لا ينبغي أن تغيب.
أما الهلال، فلم يحتج إلى أجمل نسخه كي يجمع نقاطه. سجل أربعة واستقبل اثنين، وترك بعض الملاحظات خلف انتصاره، لكنه استعاد واحدة من أقدم صفات الفرق الكبيرة: حين لا تستطيع أن تبهر، عليك أن تعرف كيف تنتصر.
وبينما كانت العيون تلاحق الأسماء المعتادة، ذهب الضوء إلى مكان آخر.
موسى ديمبيلي احتاج إلى ليلة واحدة فقط ليقف في مقدمة الصورة؛ «هاتريك»، وخمس تسديدات على المرمى جعلته الأكثر في الجولة، ليصبح سابع لاعب منذ 2009 يسجل ثلاثية في الجولة الافتتاحية لدوري المحترفين السعودي.
وفي ليلة مزدحمة بالنجوم، أعاد ديمبيلي ترتيب الضوء حوله.
أما القادسية، فلم ينتظر طويلاً ليعلن عن طموحه. ثلاثة أهداف خارج أرضه أمام الشباب لم تكن مجرد انتصار افتتاحي، بقدر ما كانت إشارة إلى أن الفريق قد لا يرضى هذا الموسم بلقب «الحصان الأسود».
فبعض الفرق تدخل الموسم بالوعود.. والقادسية اختار أن يبدأه بالفعل.
وفي جدة، اختار الأهلي طريقاً أكثر هدوءاً. لا ضجيج كبير ولا نتيجة عريضة، لكن ثلاث نقاط ووافد جديد قدّم نفسه سريعاً؛ إدوارد سبيرتسيان سجل هدف الانتصار وقدم سبع تمريرات مفتاحية.
أحياناً، لا تحتاج البداية الناجحة إلى أن تكون صاخبة.
الاتحاد، على الجانب الآخر، تلقى أول دروس الموسم قبل أن يشتد الطريق.
تعادل أمام الخلود في جدة لا يصنع أزمة، ونقطتان لا تهدمان موسماً، لكن بطولات مايو كثيراً ما تحتفظ في ذاكرتها بما أهدرناه في أغسطس.
ولم تكن حرارة البداية انطباعاً فقط؛ 28 هدفاً في تسع مباريات، وهاتريك منذ الليلة الأولى، وأسماء سارعت إلى الواجهة قبل أن تستقر مقاعد المتفرجين.
كأن دوري روشن لم يشأ انتظار المقدمات، فدخل إلى الحكاية من بابها الواسع.
وهنا تكمن فتنة الجولة الأولى؛ تمنحك ما يكفي للحلم، ولا تمنحك ما يكفي للحكم.
فالأسماء وحدها لا تفوز، والتوقعات لا تسجل الأهداف، وما يبدو حقيقة في أغسطس قد يصبح بعد أشهر مجرد سطر قديم في حكاية اختارت نهاية مختلفة.
لا أحد يصبح بطلاً من الجولة الأولى، ولا أحد يخسر موسمه فيها.
لكنها تكفي أحياناً لتخبرنا مَن وصل مستعداً، ومَن يحتاج إلى الوقت، ومَن قرر أن يبدأ الموسم من حيث لم تضعه التوقعات.
أما الحقيقة الكاملة، فما زال أمامها موسم طويل كي تُكتب.
فالكرة دارت للمرة الأولى فقط..
لكنها احتاجت إلى جولة واحدة كي تذكّرنا بحقيقتها القديمة:
أنها لا تقرأ التوقعات.




