لكن السؤال الذي فرض نفسه بعد ظهوره الأول أمام الدرعية، والذي انتهى بانتصار فقير بهدف دون مقابل: هل انتهج بوسيتش فعلًا فلسفة الكرة الشاملة؟ ولماذا لم يظهر الأهلي بالصورة التي انتظرها جمهوره؟ وما التحديات التي كشفتها المباراة مبكرًا أمام المدرب الهولندي؟
تساؤلات عدة تفرض نفسها بعد المباراة، ونحاول الإجابة عنها في هذا التقرير.
الضغط والاستحواذ.. رسوب مبكر
«احتفالات مبالغ فيها».. هكذا وصف نجم المنتخب السعودي السابق ياسر القحطاني ردود فعل الأهلاوية، جهازًا ولاعبين، عقب الانتصار في انطلاقة مشواره دوري روشن أمام الدرعية.
وبالنظر إلى الفوارق النظرية بين الفريقين، فإن الأهلي، بطل آسيا مرتين، كان يفترض أن يظهر بصورة أكثر قوة أمام فريق يخوض تجربته الأولى في دوري روشن.
صحيح أن الدرعية دخل المسابقة بجاهزية كبيرة، مدعومًا بصفقات قوية ومنظومة احترافية متكاملة، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أنه كان يخوض مباراته الأولى في المستوى الأعلى، وبالتالي كان من المنطقي انتظار تفوق الأهلي، على الأقل من حيث الشخصية والسيطرة.
داخل الملعب، لم تظهر تلك الفوارق بالشكل المتوقع.
بل إن الدرعية بدا في فترات طويلة الطرف الأكثر جرأة ومبادرة، والأكثر تقدمًا ورغبة في التسجيل، سواء كانت النتيجة في صالحه أو ضده.
أما الاستحواذ، وهو أحد الأعمدة الأساسية في فلسفة بوسيتش، فقد ذهب لمصلحة الدرعية بنسبة 57% مقابل 43% للأهلي.
والأهم من الرقم ذاته أن الأهلي لم يمنح الانطباع بأنه الفريق الذي يريد فرض إيقاعه على المباراة.
فالكرة الشاملة، وفق المدرسة الهولندية، لا تعني الاستحواذ فقط، وإنما ترتبط أيضًا بالضغط العالي، والضغط العكسي، وتقارب الخطوط، والتحرك الجماعي عند فقدان الكرة واستعادتها.
وهذه العناصر لم تظهر بالوضوح المنتظر في الظهور الأول لبوسيتش.
غياب الارتكاز.. سر افتقاد الأهلي لإيقاعه
على مستوى صناعة الفرص، لم يكن أداء الأهلي متسقًا مع فلسفة مدربه المعلنة.
فعلى الرغم من تقدم الدرعية بعدد كبير من اللاعبين وتركه مساحات خلف خطوطه، لم يتمكن الأهلي من استثمار ذلك بالشكل الكافي، ولم يصنع سوى فرص محدودة على المرمى، بينما اضطر لاعبوه في أوقات عدة إلى التسديد من خارج المنطقة، في ظل صعوبة الوصول إلى مرمى المنافس.
المشكلة الأبرز بدت في وسط الملعب.
الأهلي افتقد محورًا قادرًا على ضبط الإيقاع، تهدئة الرتم، تدوير الكرة، وإطالة زمن الاستحواذ، وهي عناصر ضرورية لأي فريق يريد فرض شخصيته من خلال الكرة.
رحيل فرانك كيسي وترك هذا المركز دون تعويض واضح ترك فراغًا ظهر مبكرًا، وسمح للدرعية بجر الأهلي إلى المباراة التي يريدها: رتم سريع، مساحات مفتوحة، وتحولات متبادلة.
وهذا تحديدًا ليس السيناريو المثالي لمدرب يريد بناء فريق يستحوذ ويسيطر.
فالمدارس التي تأثرت بالكرة الشاملة الهولندية، وصولًا إلى برشلونة ومنتخب إسبانيا في تجاربهما الأكثر نجاحًا، قامت على التحكم في إيقاع المباراة، وإجبار المنافس على الركض خلف الكرة، مع تحرك الخطوط كوحدة واحدة.
لكن الأهلي لم يفعل ذلك.
وقد يكون ضيق الوقت وعدم قدرة بوسيتش على نقل أفكاره التكتيكية بالكامل أحد التفسيرات المنطقية، إلا أن المشكلة تظل قائمة، خصوصًا أن تطبيق الضغط الجماعي والتحرك المتزامن بين الخطوط يحتاج إلى وقت وتكرار وانسجام.
الحل الفردي.. طوق النجاة لبوسيتش
ورغم عدم نجاح المنظومة الجماعية في فرض شخصيتها، فإن الأهلي يمتلك نقطة قوة واضحة يمكن أن تمنح بوسيتش حلولًا مؤقتة: الجودة الفردية في الثلث الهجومي.
إيفان توني كان أحد أبرز مصادر الخطورة، سواء من خلال تحركاته أو سرعته أو قدرته على استغلال المساحات في التحولات.
لكن المشكلة تمثلت في قلة عدد لاعبي الأهلي في الثلث الأخير، وهو ما جعل خيارات توني محدودة في كثير من المواقف.
كان يصل إلى مناطق الخطورة، لكنه لا يجد دائمًا العدد الكافي من زملائه لتحويل تحركاته إلى فرص مكتملة أو أهداف.
الأمر ذاته ظهر في الثنائية بين سبيرتسيان وجالينو، والتي أنتجت واحدة من أجمل لقطات المباراة.
تحرك سبيرتسيان بذكاء، وقرأ جالينو المساحة بصورة مثالية، فأرسل تمريرة دقيقة وضعت زميله في موقف مثالي، لينجح الأهلي في تسجيل هدف جاء من تحول هجومي نُفذ بجودة فردية عالية، بشكل جمالي يجعله بين أفضل الأهداف في الجولة الأولى إن لم يكن أفضلها.
وهنا تكمن المفارقة: الأهلي امتلك الأدوات الفردية، فلاعبين فقط نجحا في خلق التفوق أمام ثلاثة وأربعة مدافعين، ورغم براعة تلك العناصر في المقدمة لكن بوسيتش لم ينجح بعد في تحويلها إلى منظومة جماعية متكاملة، ولم يوفر لهما القدرة على خلق مواقف هجومية مكررة لإظهار تلك القدرات الفائقة.
ترينكاو.. ضحية طريقة اللعب؟
أما الجناح البرتغالي الجديد ترينكاو، فلم يقدم الصورة التي انتظرها جمهور الأهلي، خصوصًا عند وضعه في مقارنة مع الساحر رياض محرز، الذي جاء لتعويضه.
لكن من الصعب تحميل ترينكاو وحده مسؤولية ذلك.
طريقة المباراة نفسها لم تكن مثالية لإظهار أفضل ما لديه.
اللعب في رتم سريع قائم على التحولات أجبره على القيام بأدوار دفاعية كبيرة، والعودة إلى الخلف ومطاردة الكرة، بدلًا من منحه المساحات والوقت الكافي لممارسة أدواره الهجومية.
ومع استنزاف جزء كبير من طاقته في الجانب الدفاعي، تقلصت قدرته على صناعة الفارق في الثلث الأخير.
ومع ذلك، كان ترينكاو حاضرًا في الهدف، بعدما نجح بمراوغته في كسر ضغط الدرعية في وسط الملعب، قبل أن يمرر الكرة إلى جالينو، الذي تكفل بصناعة الهدف.
مرة أخرى، جاء الحل من جودة فردية وتحول سريع، وليس نتيجة منظومة استحواذية فرضت سيطرتها على المنافس.
جاء هدف الأهلي بفعل المهارات الفردية، وعبر تحول وحيد تم تنفيذه ببراعة ونجاح كبير، لكن ذلك لم يكن كافيًا لإبراز منظومة هجومية وشخصية قوية ترقبها الأهلاويون مع بوسيتش.
الفوز مهم للغاية لمنح الثقة، وتذليل العقبات، وتخفيف الضغوط، لكن من المهم للغاية أن يعجل المدرب الجديد بفرض أسلوبه المزعوم، فبدون المبادرة وتملك الكرة لا يمكن لفريق أن ينهي موسمه بطلًا للدوري، وهو الحلم الذي يترقبه ويحلم به جمهور الراقي.











