بل تحولت القضية إلى تحقيق قضائي ورياضي مستمر، تتقاطع فيه إفادات مسؤولي النادي مع تصريحات حكام ومدربين ووثائق وفواتير، بينما يواصل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» النظر في الملف من زاوية لوائحه الخاصة بنزاهة مسابقاته.
القضية، التي كُشف عنها على نطاق واسع في 2023، تتعلق بمدفوعات من برشلونة إلى شركات مرتبطة بخوسيه ماريا إنريكيز نيجريرا، نائب رئيس اللجنة الفنية للحكام في إسبانيا «CTA»، خلال الفترة من 2001 إلى 2018.
وتشير التحقيقات إلى أن إجمالي المدفوعات التي جرى توثيقها بلغ نحو 7.3 مليون يورو، بينما ظهرت لاحقًا مستندات مصرفية أشارت إلى تدفقات مالية مرتبطة بالقضية وصلت إلى نحو 8.4 مليون يورو عند احتساب مدفوعات عبر شركات مرتبطة بنيجريرا وابنه.
من هو نيجريرا؟
خوسيه ماريا إنريكيز نيجريرا كان أحد أبرز المسؤولين في منظومة التحكيم الإسبانية، إذ شغل منصب نائب رئيس اللجنة الفنية للحكام «CTA» حتى عام 2018.
وهنا تكمن حساسية القضية؛ إذ استمرت المدفوعات لسنوات طويلة خلال الفترة التي كان فيها نيجريرا يشغل منصبًا رفيعًا داخل منظومة التحكيم الإسبانية.
وبحسب التحقيقات، توقفت العلاقة التجارية بين الطرفين في 2018، وهو العام نفسه الذي غادر فيه نيجريرا منصبه في اللجنة الفنية للحكام.
17 عامًا.. وأربع رئاسات في برشلونة
المدفوعات لم ترتبط برئيس واحد فقط في برشلونة، وإنما امتدت عبر فترات رئاسية مختلفة، من بينها:
* خوان جاسبارت
* خوان لابورتا
* ساندرو روسيل
* جوسيب ماريا بارتوميو
وهذا الامتداد الزمني يمثل أحد العناصر الأساسية في القضية، إذ لا يتعلق الأمر بدفعة منفردة أو علاقة قصيرة المدى، وإنما بعلاقة مالية استمرت قرابة 17 عامًا.
ماذا يقول برشلونة عن سبب المدفوعات؟
منذ ظهور القضية، تمسك برشلونة برواية مفادها أن الأموال لم تكن مقابل التأثير على الحكام أو نتائج المباريات، وإنما مقابل تقارير فنية واستشارات تتعلق بالحكام.
وأوضح النادي أن هذه التقارير كانت تهدف إلى تحليل أداء الحكام وطريقة إدارتهم للمباريات، بما يساعد الجهاز الفني واللاعبين على الاستعداد للمباريات.
وفي 2023، قال رئيس برشلونة خوان لابورتا إن مراجعة داخلية للنادي عثرت على 629 تقريرًا فنيًا متعلقًا بالتحكيم، و43 قرصًا مدمجًا، و4 تقارير أخرى، موضحًا أن جزءًا من الوثائق الأقدم لم يعد متاحًا بسبب سياسة الاحتفاظ بالمستندات لمدة خمس سنوات.
لكن التحقيق القضائي طرح سؤالًا أساسيًا:
هل وصلت هذه التقارير بالفعل إلى الأجهزة الفنية التي كان من المفترض أن تستخدمها؟
شهادة لويس إنريكي وفالفيردي
في ديسمبر 2025، أدلى لويس إنريكي وإرنستو فالفيردي بشهادتيهما أمام القضاء بصفتهما شاهدين.
وبحسب ما نقلته تقارير عن إفاداتهما، أكد المدربان أنهما لم يطلعا على التقارير التي قال برشلونة إنها كانت جزءًا من الخدمات التي دفع مقابلها للنادي المرتبط بنيجريرا.
وقال لويس إنريكي إنه خلال فترته مدربًا لبرشلونة لم يعرض عليه أحد هذه التقارير، بينما أوضح فالفيردي أنه لم يطلبها ولم يستخدمها.
وفي المقابل، ظهرت لاحقًا شهادات أخرى تؤكد وجود تقارير فعلية عن الحكام؛ إذ قال كارليس نافال، مندوب الفريق الأول السابق في برشلونة، أمام القاضية في أبريل 2026 إنه كان يتلقى تقارير عن الحكام.
وبالتالي، فإن النقطة محل الجدل ليست فقط وجود التقارير من عدمه، وإنما أيضًا الجهة التي كانت تتلقاها، ومدى استخدامها، وطبيعة الخدمات التي كانت تلك المدفوعات تغطيها.
ماذا قال نيجريرا نفسه؟
في إفادته أمام السلطات الضريبية، قال نيجريرا إن برشلونة كان يدفع له لضمان ما وصفه بـ «حياد» لجنة الحكام.
وبحسب ما نقلته التقارير عن إفادته، نفى في الوقت ذاته أنه دفع أموالًا لأي حكم أو حكم سابق للتأثير على قراراته.
وعندما سُئل خوان لابورتا عن هذه الجزئية، رفض اعتبار كلام نيجريرا دليلًا على وجود اتفاق مع برشلونة بهذا الهدف، وقال إن الحديث عن «ضمان الحياد» كان تفسيرًا شخصيًا من نيجريرا وليس طلبًا من النادي.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الخلاف في القضية:
رواية برشلونة تتحدث عن خدمات فنية وتقارير تحكيمية، بينما وصف نيجريرا الغرض من العلاقة بطريقة مختلفة عندما سُئل من السلطات.
فاتورة «حزم الألوفيرا».. 60 ألف يورو
من أكثر المستندات التي أثارت علامات استفهام خلال التحقيق فاتورة مؤرخة في 30 نوفمبر 2005 بقيمة تقارب 60 ألف يورو، ورد في خانة الوصف ما يتعلق بـ«حزم هدايا من الألوفيرا».
وعندما سُئل لابورتا عن الفاتورة خلال شهادته أمام القاضية، قال إنه لا يتذكر تفاصيلها، باعتبار أنها تعود إلى نحو 20 عامًا.
ولا تعني هذه الفاتورة وحدها إثبات وجود مخالفة رياضية، لكنها أصبحت إحدى النقاط التي أثارت تساؤلات حول طبيعة بعض الخدمات التي كانت تغطيها الفواتير.
فاتورة كأس العالم قبل إقامة البطولة
هناك فاتورة أخرى أثارت جدلًا، بقيمة تقارب 139 ألف يورو، تتعلق بوصف لخدمة مرتبطة باختيار ورقمنة لقطات من كأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا.
المفارقة التي أُثيرت أمام لابورتا هي أن تاريخ الفاتورة يعود إلى فترة سبقت إقامة البطولة نفسها.
كما ظهرت في التحقيقات فواتير أخرى مرتبطة ببطولات دولية مختلفة، مع تواريخ أثارت أسئلة حول توقيت إصدارها مقارنة بمواعيد إقامة البطولات.
وفي شهادته، قال لابورتا إنه لا يعرف تفاصيل بعض هذه الفواتير، وإنه يجب سؤال الشخص الذي أصدرها عن سبب تسجيلها بهذه الطريقة.
وهذه النقطة تحديدًا لا تثبت بمفردها أن الخدمات لم تُقدم، لكنها أصبحت جزءًا من الأسئلة التي تحاول المحكمة الإجابة عنها بشأن طبيعة العلاقة المالية.
كم دفع برشلونة بالفعل؟
في المراحل الأولى من القضية، تركزت الأرقام المتداولة على نحو 7.3 مليون يورو مدفوعة إلى نيجريرا وابنه بين عامي 2001 و2018.
لكن مستندات مصرفية ظهرت لاحقًا في التحقيق أشارت إلى تدفقات مالية بلغ مجموعها نحو 8.4 مليون يورو عبر عدة شركات مرتبطة بنيجريرا، وهو ما يفسر اختلاف الأرقام المتداولة في التغطيات الإعلامية.
وهنا يجب التمييز بين قيمة المدفوعات محل التحقيق القضائي وبين قيمة الفواتير أو التحويلات الفرعية التي تظهر في المستندات.
لماذا لم تعاقب رابطة الدوري الإسباني برشلونة؟
أعلنت رابطة الدوري الإسباني «لا ليجا» في فبراير 2023 أنها تتابع القضية، وأنها أرسلت معلومات إلى النيابة وهيئات إسبانية وأوروبية، مؤكدة أنها ستتحرك ضمن الصلاحيات التي يسمح بها القانون.
أما المسار الرياضي المحلي، فقد اصطدم بمسألة التقادم؛ إذ لم تعد العقوبات الرياضية المحلية قادرة على التعامل مع كامل الفترة التاريخية للمدفوعات بالطريقة نفسها التي يمكن أن يتعامل بها المسار القضائي الجنائي.
وهذا يفسر الفصل بين المسار المحلي، والمسار القضائي، والمسار الأوروبي، إذ لكل جهة قواعد واختصاصات مختلفة.
ماذا حدث قضائيًا؟
القضية لا تزال حتى الآن دون حكم نهائي.
وفي مايو 2024، جرى استبعاد تهمة الرشوة بالمعنى القانوني المرتبط بصفة الموظف العام، بعدما خلصت المحكمة إلى أن نيجريرا لا يحمل الصفة القانونية التي تسمح بتطبيق جريمة الرشوة عليه بهذه الصورة، بينما استمر التحقيق في إطار مخالفات وجرائم أخرى محل نظر القضاء.
وفي سبتمبر 2025، أدلى ساندرو روسيل وجوسيب ماريا بارتوميو وجافيير إنريكيز، نجل نيجريرا، بإفاداتهم أمام القاضية بصفتهم أشخاصًا قيد التحقيق.
كما أدلى لابورتا ولويس إنريكي وفالفيردي بشهاداتهم في ديسمبر 2025.
وفي 2026، استمرت الإجراءات المتعلقة بالملف، مع بقاء القضية دون حكم نهائي.
يويفا يدخل على الخط
الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» أعلن رسميًا في 23 مارس 2023 تعيين مفتشين من لجنة الأخلاقيات والانضباط للتحقيق في احتمال وجود مخالفة للإطار القانوني للاتحاد من جانب برشلونة على خلفية قضية نيجريرا.
والأهم أن ملف القضية لا يزال حاضرًا ضمن المسار التأديبي الأوروبي المتعلق ببرشلونة، ما يعني أن التحقيق الأوروبي لم يُغلق.
هل يمكن أن يُحرم برشلونة من المشاركة الأوروبية؟
هنا تظهر نقطة قانونية مهمة.
النص الذي يتم تداوله على نطاق واسع بشأن منع الأندية من المشاركة لموسم واحد يرتبط بلوائح القبول في مسابقات يويفا، لكن الصياغة تختلف بحسب نسخة اللوائح والمسابقة والموسم.
ففي لائحة دوري أبطال أوروبا 2026-27، تنص المادة 4.01 على ألا يكون النادي قد شارك، منذ 1 مارس 2016، بشكل مباشر أو غير مباشر في أي نشاط يستهدف ترتيب أو التأثير في نتيجة مباراة محلية أو دولية.
وتنص المادة 4.02 على أنه إذا خلص يويفا، استنادًا إلى الوقائع والمعلومات المتاحة، إلى أن النادي شارك في مثل هذا النشاط، فإنه يمكن أن يعلن عدم أهليته للمشاركة في المسابقة، على أن تكون عدم الأهلية لمدة موسم كروي واحد فقط.
كما تنص اللائحة على أن يويفا يمكنه الاستناد إلى قرارات الهيئات الرياضية أو المحاكم الوطنية والدولية، لكنه ليس ملزمًا بها.
لذلك، فإن النص المتداول الذي يبدأ بتاريخ 27 أبريل 2007 لا يطابق الصياغة الحالية للمادة 4 في لائحة دوري أبطال أوروبا 2026-27، التي تستخدم تاريخ 1 مارس 2016.
ماذا يعني ذلك لقضية نيجريرا؟
هذا لا يعني تلقائيًا أن برشلونة سيُعاقب أو سيُستبعد.
المسألة الأساسية أمام يويفا هي ما إذا كانت الأدلة المتاحة تسمح له بالوصول إلى النتيجة المطلوبة وفق معيار الإثبات الخاص بلوائح القبول، وهي مسألة منفصلة عن الحكم النهائي للقضاء الإسباني.
وتنص لائحة دوري الأبطال الحالية أيضًا على أن يويفا يستطيع اتخاذ إجراءات تأديبية إضافية، أو بديلة، إذا رأى أن الظروف تستدعي ذلك.
أين تقف القضية الآن؟
الصورة الكاملة تكشف عن ثلاثة مسارات متوازية:
أولًا: المسار القضائي الإسباني
لا يزال الملف دون حكم نهائي، مع استمرار التحقيقات والإجراءات المتعلقة بالمدفوعات وطبيعة الخدمات التي قدمتها الشركات المرتبطة بنيجريرا.
ثانيًا: المسار الرياضي المحلي
توجد قيود قانونية ومسألة تقادم تؤثران في إمكانية فرض عقوبات محلية على وقائع تعود إلى سنوات بعيدة، وهو مسار منفصل عن التحقيق الجنائي.
ثالثًا: المسار الأوروبي
يواصل يويفا النظر في قضية نيجريرا من زاوية لوائحه الخاصة بالمشاركة في مسابقاته، وهو مسار مستقل عن المسار القضائي الإسباني.
ريال مدريد.. طرف حاضر في القضية
لم تقتصر تداعيات القضية على برشلونة، إذ دخل ريال مدريد على خط الملف بوصفه طرفًا في الإجراءات القضائية الإسبانية، بعدما تقدم بطلب للانضمام إلى القضية باعتباره طرفًا متضررًا.
ويتابع ريال مدريد القضية عن قرب، بينما يظل دوره في الملف مرتبطًا بالمسار القضائي وما تقرره المحكمة بشأن الوقائع والطلبات المقدمة من الأطراف.
وجود ريال مدريد في القضية لا يعني، بحد ذاته، ثبوت أي اتهام أو مخالفة جديدة بحق برشلونة، لكنه أضاف بعدًا آخر إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في كرة القدم الإسبانية خلال السنوات الأخيرة.
الخلاصة
قضية نيجريرا لا تتعلق فقط بسؤال:
لماذا دفع برشلونة أموالًا لمسؤول بارز في منظومة التحكيم الإسبانية؟
بل تمتد إلى مجموعة من الأسئلة التي لا تزال محل بحث قضائي:
* ما طبيعة الخدمات التي قدمتها الشركات المرتبطة بنيجريرا؟
* هل كانت التقارير التحكيمية موجودة فعلًا وبالحجم الذي يتحدث عنه برشلونة؟
* من كان يستلم هذه التقارير داخل النادي؟
* هل استخدمها الجهاز الفني؟
* لماذا تضمنت بعض الفواتير أوصافًا وتواريخ أثارت علامات استفهام؟
* ماذا كان يقصد نيجريرا عندما تحدث عن «ضمان الحياد»؟
* وهل يمكن إثبات وجود تأثير فعلي أو محاولة للتأثير في التحكيم أو نتائج المباريات؟
* وما الذي يمكن أن يقرره يويفا بشكل مستقل عن القضاء الإسباني؟
المؤكد حتى الآن هو وجود علاقة مالية طويلة الأمد بين برشلونة وشركات مرتبطة بنيجريرا، ووجود تحقيق قضائي مستمر، إلى جانب مسار أوروبي لم يُغلق.
أما إثبات أن المدفوعات أدت بالفعل إلى التأثير في نتائج المباريات أو قرارات الحكام، فهو أمر مختلف يحتاج إلى حسم قضائي أو تأديبي نهائي، ولا يمكن اعتباره حقيقة مثبتة لمجرد وجود المدفوعات أو الشبهات المحيطة بها.














































