امتدت هذه الظاهرة لسنوات طويلة في كرة القدم، وظهرت بشكل واضح في إنجلترا وإيطاليا، قبل أن تتحول إلى قضية تتعامل معها الاتحادات والأجهزة الأمنية باعتبارها أحد أشكال الإساءة الجماهيرية.
وتعرف هذه الممارسة عالميًا باسم "هتافات المآسي"، وهي تعبير يستخدم لوصف الهتافات أو الإشارات المسيئة المرتبطة بكوارث أو وفيات حقيقية شهدتها كرة القدم، وتحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في المدرجات.
ميونيخ وهيلزبره وهيزل.. أشهر صراع بين المآسي
يُعد الصراع بين مانشستر يونايتد وليفربول من أشهر الأمثلة على ظاهرة "هتافات المآسي"، بعدما ارتبطت مباريات الفريقين على مدار سنوات بهتافات تستغل كوارث تاريخية أصابت الناديين وجماهيرهما.
ويستغل بعض مشجعي ليفربول كارثة ميونيخ الجوية عام 1958 في هتافاتهم ضد مانشستر يونايتد، وهي الكارثة التي أسفرت عن وفاة 23 شخصًا، بينهم 8 لاعبين من الفريق الإنجليزي، بعد تحطم الطائرة التي كانت تقل بعثة مانشستر يونايتد عقب مباراة أوروبية.
وفي المقابل، ظهرت على مدار سنوات هتافات من بعض جماهير مانشستر يونايتد تستهدف كارثتي هيلزبره وهيزل المرتبطتين بتاريخ ليفربول.
كارثة هيلزبره وقعت عام 1989 خلال مباراة نصف نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي بين ليفربول ونوتنجهام فورست، وأسفرت عن وفاة 97 من مشجعي ليفربول، بينما وقعت كارثة ملعب هيزل عام 1985 قبل نهائي كأس أوروبا بين ليفربول ويوفنتوس، وأسفرت عن وفاة 39 مشجعًا، غالبيتهم من جماهير يوفنتوس.
ولم تبق هذه الهتافات مجرد وقائع قديمة، إذ عادت إلى الواجهة في السنوات الأخيرة، خصوصًا خلال مباريات الفريقين في كأس الاتحاد الإنجليزي والدوري الإنجليزي.
وفي مباراة ربع نهائي كأس الاتحاد بين مانشستر يونايتد وليفربول في مارس 2024، شهد ملعب أولد ترافورد هتافات مرتبطة بكارثتي هيلزبره وهيزل، وأعلنت الشرطة اعتقال 8 أشخاص على خلفية وقائع مرتبطة بهتافات المآسي، قبل توجيه اتهام لأحدهم. كما أدان الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم تلك الهتافات، مؤكدًا أنها غير مقبولة ولن يتم التسامح معها.
كلوب وتين هاج.. "أظهروا بعضًا من الاحترام"
تطور الأمر إلى تدخل مباشر من مدربي الفريقين، بعدما طالب الألماني يورجن كلوب والهولندي إريك تين هاج جماهير ليفربول ومانشستر يونايتد بوقف استخدام المآسي التاريخية في الهتافات.
وقبل مواجهة الفريقين في الدوري الإنجليزي خلال أبريل 2024، وجه تين هاج رسالة إلى الجماهير، أكد خلالها أن المنافسة بين الناديين يجب ألا تكون مبررًا للإساءة إلى ضحايا هيلزبره وهيزل وميونيخ أو أي مأساة تاريخية أخرى.
وقال تين هاج إن من واجبه تذكير الجماهير بأن المباريات يجب أن تُستمتع بها بالطريقة الصحيحة، وألا تتحول إلى فرصة للإساءة إلى المنافس من خلال استغلال المآسي التاريخية.
من جانبه، دعا كلوب الجماهير إلى إظهار قدر من الاحترام، مؤكدًا أن التنافس يجب أن يكون داخل الملعب، وقال: "دعوا الفريقين يتنافسان داخل الملعب، ودعونا نلعب كرة القدم، فهذا كل ما نريده".
وكان كلوب قد وصف هتافات المآسي في وقت سابق بأنها شيء يجب أن يخجل منه كل من يشارك فيه، مؤكدًا أن هذا السلوك لا مكان له في كرة القدم.
ولم تتوقف المواجهة عند التصريحات، إذ تعاونت مؤسستا مانشستر يونايتد وليفربول في برنامج توعوي يستهدف الجماهير والشباب، بهدف شرح التأثير الإنساني لهتافات المآسي والعمل على إنهائها.
كما اتجهت السلطات الإنجليزية إلى التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها أكثر من مجرد تجاوز جماهيري، حيث يمكن أن تؤدي هتافات المآسي إلى المنع من دخول الملاعب والملاحقة الجنائية في بعض الحالات.
هتافات المآسي لا تقتصر على ليفربول ويونايتد
ولا تقتصر الظاهرة على مواجهات ليفربول ومانشستر يونايتد، إذ ظهرت في مباريات أخرى داخل كرة القدم الإنجليزية.
وفي نوفمبر 2023، شهدت مباراة ليفربول ولوتون تاون هتافات مرتبطة بكارثة هيلزبره، وهو ما دفع كلوب إلى إدانة الواقعة، بينما أكد جيمي كاراجر أن الجماهير يجب أن تظل قادرة على المنافسة والتشجيع دون تجاوز حدود الاحترام.
كما شهد أحد ديربيات مانشستر واقعة أخرى مرتبطة بكارثة ميونيخ، بعدما ألقت الشرطة القبض على أحد المشجعين للاشتباه في استخدام هتافات تسخر من ضحايا الحادث.
وفي عام 2023، أطلقت شارلوت هينيسي، ابنة أحد ضحايا كارثة هيلزبره، عريضة تطالب بتجريم هتافات المآسي، وحصلت على أكثر من 17 ألف توقيع، في محاولة للضغط من أجل التعامل مع الظاهرة باعتبارها إساءة تستحق العقاب.
إيطاليا.. وفاة موروزيني تتحول إلى وسيلة للاستفزاز
وفي إيطاليا، شهدت كرة القدم واقعة مؤلمة مشابهة، عندما تعرضت ذكرى لاعب ليفورنو بييرماريو موروزيني للإساءة من جانب بعض جماهير هيلاس فيرونا.
وكان موروزيني قد توفي في أبريل 2012 بعدما سقط خلال مباراة فريقه ليفورنو أمام بيسكارا، قبل أن يفارق الحياة إثر أزمة قلبية.
وبعد وفاته، تحولت ذكراه إلى مادة لهتافات مسيئة من جانب بعض جماهير فيرونا خلال إحدى مباريات الفريق، ما أثار غضبًا واسعًا، ودفع النادي إلى إدانة تصرفات مجموعة من جماهيره والتأكيد على رفض الإساءة إلى ذكرى اللاعب الراحل.
وأظهرت الواقعة أن استخدام وفاة شخص كسلاح في المدرجات ليس مرتبطًا فقط بالمنافسات التاريخية بين ناديين، وإنما يمكن أن يستهدف ذكرى لاعب بعينه، حتى لو لم تكن المأساة مرتبطة بشكل مباشر بالمباراة.
ماتيتا.. مأساة داخل الملعب تتحول إلى هتاف
وفي مارس 2025، شهدت كرة القدم الإنجليزية واقعة أخرى تكشف مدى قسوة الظاهرة، خلال مباراة كريستال بالاس ومليوول في كأس الاتحاد الإنجليزي.
وتعرض الفرنسي جان فيليب ماتيتا، مهاجم كريستال بالاس، لإصابة قوية بعدما اصطدمت قدم حارس مليوول ليام روبرتس برأسه، ليسقط اللاعب فاقدًا للوعي ويحتاج إلى تدخل طبي استمر لعدة دقائق، قبل نقله إلى المستشفى وتلقيه العلاج.
وخلال وجود ماتيتا على أرض الملعب وتلقيه العلاج، ردد بعض مشجعي مليوول هتافات تطالب بوفاته، في مشهد أثار انتقادات واسعة، خاصة أن اللاعب كان في حالة صحية خطيرة أمام أعين الجماهير.
ونقل ماتيتا إلى المستشفى، قبل أن يغادره بعد خضوعه للعلاج وتلقيه 25 غرزة في أذنه، بينما أدان عدد من المتابعين ما صدر من المدرجات خلال الواقعة.

































































