بل كان بمثابة محاولة لفتح فصل جديد في قصة الفرنسي داخل المملكة، بعد عامين ونصف تقريبًا قضاها بقميص الاتحاد.
لكن الفصل الهلالي انتهى أسرع مما توقع كثيرون.
وكان «الميدان الرياضي» قد انفرد، عصر أمس الأحد، بالكشف عن اقتراب الهلال من مخالصة كريم بنزيما، مع الإشارة إلى أن الاعتزال أحد الخيارات المطروحة أمام المهاجم الفرنسي، في الوقت الذي كانت فيه إدارة النادي تتحرك لحسم صفقة الإنجليزي أولي واتكينز.
وبعد ساعات من انفراد «الميدان»، تطورت الأمور سريعًا، إذ كشفت مصادر «الشرق الأوسط» أن الهلال وبنزيما توصلا بالفعل إلى اتفاق لإنهاء العلاقة التعاقدية بالتراضي، بعد ثلاثة أيام من المفاوضات المكثفة.
وبذلك، يجد بنزيما نفسه أمام قرار قد يكون الأهم في الجزء الأخير من مسيرته: البحث عن تجربة جديدة، أو الاكتفاء بما قدمه وإعلان الاعتزال نهائيًا.
من ريال مدريد إلى الاتحاد.. بداية الحكاية السعودية
وصل بنزيما إلى الدوري السعودي في صيف 2023، بعدما أغلق صفحة استثنائية مع ريال مدريد امتدت لـ14 عامًا، توج خلالها بكل ما يمكن تقريبًا، وعلى رأسه دوري أبطال أوروبا والكرة الذهبية.
اختار الاتحاد ليكون بوابته إلى الكرة السعودية، وكان وصوله آنذاك واحدًا من أكبر الأحداث في تاريخ دوري روشن، خاصة أن اللاعب لم يكن مجرد نجم سابق، بل كان قد توج قبل أشهر قليلة بجائزة الكرة الذهبية كأفضل لاعب في العالم.
البداية مع الاتحاد لم تكن مثالية بالكامل.
ففي موسمه الأول، واجه بنزيما وفريقه صعوبات واضحة، وتعرض اللاعب لانتقادات بسبب تفاوت مستواه، كما دخل في أكثر من أزمة مرتبطة بعلاقته بالفريق والجهاز الفني.
لكن الصورة تغيرت في الموسم التالي.
تحول بنزيما إلى أحد أهم أسباب استعادة الاتحاد توازنه، وقاد الفريق إلى التتويج بثنائية دوري روشن وكأس خادم الحرمين الشريفين في موسم 2024-2025، كما حصل على جائزة أفضل لاعب في الدوري عن الموسم نفسه.
وفي ذلك الموسم، سجل 21 هدفًا في الدوري، ليحتل المركز الثالث في سباق الهدافين خلف إيفان توني وكريستيانو رونالدو.
أرقام بنزيما مع الاتحاد.. الأرقام تنصفه
رغم كل ما أحاط بتجربته من جدل، فإن الأرقام تكشف أن بنزيما ترك إرثًا هجوميًا كبيرًا مع الاتحاد.
وبحسب إحصاءات منشورة لمسيرته مع النادي، خاض بنزيما 86 مباراة في مختلف المسابقات، سجل خلالها 57 هدفًا وصنع 18 هدفًا. وفي الدوري السعودي تحديدًا، أحرز 38 هدفًا خلال 63 مباراة، وفق الإحصاءات نفسها.
كما حقق مع الاتحاد لقب دوري روشن وكأس خادم الحرمين الشريفين، ليغادر جدة بعدما نجح في النهاية في قيادة الفريق إلى أهم ألقابه المحلية خلال فترة وجوده.
وهنا تظهر المفارقة الأولى في قصة بنزيما بالسعودية:
بدأ مع الاتحاد وسط الشكوك، لكنه أنهى التجربة وهو بطل للدوري والكأس وأفضل لاعب في المسابقة.
قرار الانتقال إلى الهلال.. البحث عن تحدٍ جديد
في فبراير 2026، اتخذ بنزيما خطوة لم تكن عادية في سوق الانتقالات السعودي، بعدما انتقل من الاتحاد إلى الهلال في صفقة انتقال حر.
وأعلن الهلال تعاقده مع المهاجم الفرنسي بعقد يمتد لعام ونصف، ليصبح بنزيما لاعبًا في صفوف أحد أبرز منافسي الاتحاد على البطولات.
الصفقة كانت تحمل أكثر من معنى.
بنزيما انتقل إلى النادي الذي يملك طموحات قارية كبيرة، والهلال كان يريد مهاجمًا بخبرته وقدرته على الحسم، بينما كان اللاعب أمام فرصة جديدة لتحقيق أهداف لم ينجح في الوصول إليها مع الاتحاد.
وكان انتقاله إلى الهلال، في نظر كثيرين، محاولة لإضافة لقب آسيوي إلى سجله السعودي، خاصة أن دوري أبطال آسيا للنخبة كان أحد أكبر الأهداف التي يسعى النادي لتحقيقها.
لكن السيناريو لم يسر كما كان مخططًا.
ماذا قدم بنزيما مع الهلال؟
لم يحتج بنزيما إلى وقت طويل ليثبت أنه ما زال قادرًا على صناعة الفارق.
وخلال نصف عام تقريبًا مع الهلال، سجل 10 أهداف وصنع 5 أخرى في 16 مباراة بمختلف البطولات، وفق الإحصاءات التي أوردتها تقارير اليوم.
ومن أبرز لحظاته بقميص الهلال تسجيله ثلاثة أهداف «هاتريك» أمام الخلود في دوري روشن، في مباراة انتهت بفوز الهلال 6-0.
كما حصل على جائزة رجل المباراة في أكثر من مناسبة خلال الموسم، وهو ما يعكس أن وجوده لم يكن هامشيًا من الناحية الفنية.
وبالتالي، فإن رحيله عن الهلال لا يمكن تفسيره ببساطة على أنه نتيجة فشل تهديفي.
بنزيما سجل، وصنع، وترك بصمته.. لكن المشكلة كانت في مستقبل المشروع نفسه ومكانه داخله.
اللقب الوحيد.. كأس الملك
رغم قصر التجربة، نجح بنزيما في إضافة بطولة جديدة إلى سجله السعودي مع الهلال.
وتوج المهاجم الفرنسي مع الفريق بلقب كأس خادم الحرمين الشريفين، ليصبح رصيده في الكرة السعودية أربعة ألقاب مع الناديين: دوري روشن وكأس الملك مع الاتحاد، وكأس الملك مع الهلال، إلى جانب نجاحات أخرى في مسيرته الأوروبية.
لكن طموح الهلال وبنزيما كان أكبر من ذلك.
فاللاعب جاء إلى الرياض بحثًا عن إضافة المزيد إلى إرثه، والهلال كان ينتظر منه قيادة الفريق نحو ألقاب أكبر، خصوصًا على المستوى الآسيوي.
وهنا يأتي الجانب الآخر من القصة.
أين أخفق بنزيما مع الهلال؟
رغم أرقامه الجيدة، لم تستمر الشراكة بين الطرفين بالشكل الذي كان متوقعًا.
بدأ الهلال التخطيط للموسم الجديد بطريقة مختلفة، ومع التعاقد مع أولي واتكينز، أصبح مستقبل بنزيما محل شك، خاصة مع وجود قيود مرتبطة بقائمة الفريق المحلية.
وبحسب مصادر «الميدان»، عرض الهلال على بنزيما الاستمرار ضمن القائمة الآسيوية فقط، لكن المهاجم الفرنسي رفض هذا الخيار، مفضلًا إنهاء العلاقة التعاقدية بالتراضي.
وهنا تحولت المسألة من مجرد قرار فني إلى مفترق طرق حقيقي في مستقبل اللاعب.
فبنزيما، الذي لا يزال يرى أنه قادر على اللعب، لم يكن مستعدًا لقبول دور محدود، وفي المقابل كان الهلال يتحرك لتكوين قائمة جديدة تتناسب مع احتياجاته الفنية.
الهلال يختار واتكينز.. وبنزيما خارج الحسابات
كان التعاقد مع أولي واتكينز نقطة التحول الأبرز.
ونجح الهلال في حسم صفقة المهاجم الإنجليزي قادمًا من أستون فيلا، في خطوة أعطت مؤشرًا واضحًا على أن النادي يريد مهاجمًا جديدًا للموسم المقبل.
وبالتزامن مع ذلك، بدأت المفاوضات مع بنزيما للوصول إلى صيغة تنهي العلاقة دون صدام تعاقدي.
المفاوضات لم تكن سهلة.
وأكدت تقارير صحفية أن الأيام الثلاثة الأخيرة شهدت مفاوضات ساخنة، وأن بنزيما كان غاضبًا للغاية بسبب رغبته في الاستمرار مع الهلال، قبل أن ينتهي الأمر باتفاق على الانفصال بالتراضي.
وبذلك، لم تكن المخالصة قرارًا اتخذه اللاعب بحثًا عن الرحيل فقط، وإنما جاءت بعد رغبة واضحة منه في الاستمرار، قبل أن تتغير المعادلة.
لماذا رفض بنزيما الشباب؟
بعد اقتراب رحيله عن الهلال، ظهر اسم الشباب كأحد الخيارات المحتملة أمام بنزيما.
وأبدى النادي استعداده للتعاقد معه، وتحرك من أجل تسهيل الصفقة، لكن اللاعب رفض بشكل واضح فكرة الانتقال إلى الشباب.
وهذا الرفض يحمل دلالة مهمة.
فلو كان بنزيما يبحث فقط عن الاستمرار في كرة القدم، لكان عرض الشباب فرصة منطقية للبقاء في دوري روشن، خاصة أنه يعرف المسابقة جيدًا ونجح فيها خلال السنوات الماضية.
لكن موقفه فتح الباب أمام احتمال آخر أكثر إثارة:
ماذا لو كان بنزيما لا يريد ناديًا جديدًا من الأساس؟
الاعتزال.. الخيار الذي أصبح أقرب
هنا تعود قصة انفراد «الميدان».
قبل أن تتأكد المخالصة، كشف «الميدان» أن الاعتزال أحد الخيارات التي يدرسها بنزيما، وأن اللاعب لا يبدو متحمسًا بشكل كبير للعروض المتاحة أمامه.
وبعد إتمام الاتفاق مع الهلال، أصبحت التقارير أكثر وضوحًا.
مصادر مقربة من اللاعب تحدثت عن اتجاهه للاعتزال نهائيًا، خاصة بعد رفضه الانتقال إلى الشباب وعدم إبدائه حماسًا تجاه العروض الأخرى.
لكن من المهم التفريق بين أمرين:
الاعتزال لم يُعلن رسميًا حتى الآن، لكنه أصبح خيارًا جديًا.
وهذا يجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان بنزيما سيظهر بقميص نادٍ جديد، أم أن مباراته الأخيرة قد أصبحت بالفعل خلفه.
مفارقة أخيرة في علاقة بنزيما بالكرة السعودية
إذا قرر بنزيما الاعتزال، فستكون نهايته في الملاعب السعودية مليئة بالمفارقات.
جاء إلى السعودية باعتباره أحد أكبر نجوم العالم.
بدأ مع الاتحاد وسط ضغوط وانتقادات.
ثم تحول إلى قائد لمشروع ناجح، وفاز بالدوري والكأس، وحصل على جائزة أفضل لاعب في الدوري.
بعدها انتقل إلى الهلال بحثًا عن مجد جديد.
سجل 10 أهداف وصنع 5 خلال 16 مباراة، وفاز بكأس الملك.
ثم، بعد ستة أشهر فقط، انتهت الرحلة.
والأغرب أن النهاية لم تأت بسبب تراجع واضح في الأرقام، بل جاءت نتيجة اختلاف حول دوره المستقبلي داخل الهلال، بعدما أصبح النادي يخطط لهجوم جديد يقوده واتكينز.
من «الحكومة» إلى كلمة النهاية؟
في ريال مدريد، صنع بنزيما إرثًا يصعب تكراره.
في ليون، بدأ الحكاية.
مع فرنسا، خاض 97 مباراة دولية وسجل 37 هدفًا.
وفي ريال مدريد، أصبح أحد أعظم هدافي النادي عبر تاريخه، وفاز بخمسة ألقاب لدوري أبطال أوروبا، وأربع بطولات للدوري الإسباني، والكرة الذهبية.
ثم جاءت السعودية لتكون الفصل الأخير حتى الآن.
ومع الاتحاد والهلال، سجل عشرات الأهداف وأضاف بطولات جديدة إلى خزائنه.
لكن إذا اختار الاعتزال الآن، فلن تكون نهاية بنزيما مرتبطة بما قدمه في الأشهر الأخيرة فقط، بل ستغلق مسيرة لاعب نجح في الوصول إلى قمة كرة القدم العالمية، قبل أن يخوض واحدة من أكثر تجارب انتقال النجوم إثارة إلى الدوري السعودي.
من جدة إلى الرياض.. ومن الاتحاد إلى الهلال.. قد تكون رحلة بنزيما في السعودية انتهت، وقد يكون معها اقتربت نهاية قصة «الحكومة» داخل المستطيل الأخضر.




















































































































