وإنما حاول النادي منذ اللحظة الأولى تحويل وصول النجم المصري إلى قصة تسويقية متكاملة تتجاوز حدود كرة القدم وتصل إلى المدينة نفسها، وثقافتها وجمهورها ومعالمها وحتى قطاع السياحة.
وواصل طرابزون استعراض نجمه الأول بفيديو ترويجي جديد، الذي لم يظهر فيه اللاعب وحده بصورة تقليدية وهو يرتدي قميص الفريق، وإنما استغل طرابزون سبور الصفقة لتقديم صورة مختلفة عن المدينة ومنطقة البحر الأسود، في فيديو تشويقي حمل رسالة "الأحلام تتحقق" وقدم انتقال صلاح باعتباره جزءًا من حكاية أكبر من مجرد انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر.
الفيديو نجح بشكل لافت على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما وصل إلى نحو 7 ملايين مشاهدة خلال 4 ساعات فقط، في مؤشر واضح على حجم الاهتمام العالمي بالصفقة، وعلى قدرة النادي على استغلال الشعبية الهائلة التي يمتلكها محمد صلاح لصالح حملته الدعائية.
لكن الأهم في الفكرة أن طرابزون لم يكتفِ بوضع صورة صلاح على الإعلان، وإنما حاول أن يجعل المدينة نفسها جزءًا من الإعلان.
فالفيديو استغل طبيعة طرابزون وأجواءها وطقوسها وهويتها المحلية، ليقدم رسالة إلى الجمهور الذي لا يعرف المدينة بالقدر الكافي، بأن محمد صلاح لم ينتقل فقط إلى نادٍ تركي، ولكنه وصل إلى مدينة لها شخصية وثقافة وتاريخ وجمهور مختلف.
وهنا جاءت إشادة الإعلامي السعودي وليد الفراج بالفكرة، بعدما كتب عبر حسابه على منصة "إكس": "عندما تكون الأفكار محلية ويصنعها أبناء المجتمع، فإنها تظهر بشكل متميز ويتناسب مع البيئة المستهدفة".
ووصف الفراج الفيديو بأنه إعلان طرابزون سبور عن انتقال محمد صلاح، معتبرًا أن الفكرة جاءت من داخل المجتمع نفسه، في إشارة إلى أهمية أن تكون الحملات الدعائية مرتبطة بالهوية المحلية، وليس مجرد تنفيذ تقليدي بواسطة جهات خارجية.
واللافت أن الفكرة لم تتوقف عند حدود الفيديو، إذ بدأ تأثير صفقة صلاح يظهر في أرقام النادي التجارية والجماهيرية.
صلاح يحطم أرقام تذاكر طرابزون
أعلن طرابزون سبور وصول مبيعات التذاكر الموسمية لموسم 2026-2027 إلى 18 ألف تذكرة، وهو رقم وصفه النادي بأنه الأعلى في تاريخه، قبل أن يرفع السقف ويعلن استهداف الوصول إلى 25 ألف تذكرة.
النادي لم يقدم الرقم باعتباره نجاحًا تجاريًا فقط، بل ربطه مباشرة بفكرة المجتمع والجمهور، مؤكدًا أن الرقم الجديد جاء نتيجة التخطيط والعمل الجماعي والإيمان بهدف واحد.
وهنا تظهر أهمية صفقة صلاح مرة أخرى، لأن النادي استطاع تحويل حالة الحماس التي صاحبت وصول اللاعب إلى حافز لزيادة ارتباط الجمهور بالنادي ورفع المبيعات.
رئيس طرابزون: غطينا أكثر من نصف تكلفة صلاح
الأرقام التي كشف عنها رئيس طرابزون سبور أرطغرل دوغان تعطي بعدًا اقتصاديًا أكبر للقصة.
دوغان أكد أن النادي باع خلال ثلاثة أيام فقط تذاكر موسمية بقيمة وصلت إلى 550 مليون ليرة تركية، موضحًا أن الرقم يتعلق بمبيعات التذاكر فقط ولا يشمل مبيعات قمصان محمد صلاح، التي لم تكن أرقامها متاحة للنادي في ذلك الوقت.
وقال رئيس النادي إن هذه الإيرادات مكنت طرابزون سبور من تغطية أكثر من نصف التكلفة السنوية لصفقة صلاح.
وهنا تتحول الصفقة من مجرد إنفاق على لاعب إلى استثمار يحاول النادي استرداد جزء كبير منه عبر الجماهير والتذاكر والمنتجات التجارية والقيمة التسويقية التي أضافها اللاعب.
دوغان أكد في الوقت نفسه أن النادي لم يحصل على أي دعم حكومي لتمويل الصفقة، نافيًا بشكل قاطع ما تردد حول وجود مساعدات من مؤسسات الدولة التركية.
النجم المصري ينعش سياحة البحر الأسود
التأثير لم يتوقف عند النادي، وكالة دميرورين التركية للأنباء تحدثت عن تأثير صلاح على سياحة البحر الأسود، مشيرة إلى أن وصول اللاعب المصري صاحب الشعبية العالمية رفع من مستوى التعريف بمدينة طرابزون، مع الحديث عن رحلات طيران عارض قادمة من القاهرة وطهران.
وبالتالي، أصبح اسم محمد صلاح مرتبطًا بالمدينة نفسها، وليس فقط بالنادي.
وهذه واحدة من أهم النقاط التي تجعل قصة انتقال صلاح إلى طرابزون مختلفة تسويقيًا؛ فبدلًا من أن تكون المدينة مجرد مكان يعيش فيه اللاعب، أصبحت جزءًا من المنتج الذي يتم تسويقه للجمهور.
الجمهور المصري الذي يتابع صلاح يمكن أن يتعرف على طرابزون من خلال اللاعب، والجمهور العربي يمكن أن يبدأ في البحث عن المدينة ومعالمها، بينما تتحول مباريات النادي وفعالياته إلى فرصة إضافية للترويج للمنطقة.
بمعنى آخر، طرابزون سبور لم يقل فقط: «محمد صلاح أصبح لاعبنا»، لكنه حاول أن يقول أيضًا: «تعالوا وشاهدوا المدينة التي أصبح صلاح جزءًا منها».
صلاح نفسه أصبح جزءًا من هوية المدينة
الجانب الآخر من القصة ظهر في تصريحات أرطغرل دوغان عن رد فعل صلاح على الاستقبال الجماهيري.
رئيس طرابزون سبور قال إن اللاعب كان مندهشًا للغاية من الأجواء التي وجدها في المدينة، ونقل عنه قوله إنه سعيد جدًا لأن النادي أحضره إلى طرابزون ووضعه أمام هذه الجماهير.
وهذه النقطة مهمة تسويقيًا، لأن النادي يستطيع استخدام صورة صلاح وهو منبهر بالجماهير كجزء من القصة التي يبيعها للجمهور: نجم عالمي جاء إلى المدينة، فاكتشف أن المدينة وجمهورها أكبر مما كان يتخيل.
وهكذا يصبح صلاح في الوقت نفسه لاعبًا ونجمًا عالميًا وسفيرًا غير مباشر للمدينة.










