وفي كتابه «على حافة كرة القدم – اللعبة الرابعة»، يقدم فواز الشريف نفسه كاتبًا لا يقف عند حدود الخبر، ولا يكتفي بوصف ما حدث، بل يتجاوز ذلك إلى المنطقة الأصعب؛ حيث تتشكل الأحداث قبل أن تصل إلى العناوين.
الكتاب لا يتحدث عن كرة القدم التي نشاهدها فقط، بل عن تلك التي تُصنع خلف الشاشات، وفي غرف القرار، ومختبرات التقنية، ومجالس الاستثمار. كرة قدم تتغير علاقتها باللاعب والجمهور والإعلام، وتعيد تعريف الملعب والمشاهدة والبطولات، لتفتح الطريق أمام لعبة جديدة تختلف عن الصورة التقليدية التي عرفها العالم.
الوقوف على الحافة.. حيث تبدأ الرؤية
اختار الشريف أن يقف على الحافة، لأن الوقوف في المنتصف يمنح الكاتب الأمان، لكنه قد يحجبه عن رؤية القادم. ومن تلك المساحة يراقب تحولات التقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي واقتصاد اللعبة وصراعات النفوذ، ثم يجمعها في رؤية واحدة لا تفصل كرة القدم عن العالم الذي يصنعها.
فالمواصفات العالمية في الكتابة لا ترتبط بزخرفة اللغة أو كثرة المصطلحات، بل بقدرة الكاتب على تحويل حدث محلي إلى سؤال عالمي، وتحويل المعلومة إلى فكرة، وقراءة التفاصيل الصغيرة داخل المشهد الكبير.
وهذه هي المساحة التي يتحرك فيها الشريف بخبرة الصحفي، وذاكرة المؤرخ، وفضول الباحث، وخيال الكاتب الذي لا ينتظر المستقبل حتى يصل، بل يحاول قراءة ملامحه قبل ظهوره.
«غرفة الولادة».. عندما يسبق الكاتب الحدث
يتجلى ذلك بشكل واضح في فصل «غرفة الولادة»، أحد أكثر فصول الكتاب إثارة، حيث لم يكتب الشريف الحكاية بعد اكتمالها، بل دخل إليها وهي لا تزال في مرحلة التكوين.
لم تكن الغرفة مجرد استعارة للولادة، بل مساحة مغلقة تتصارع داخلها القوى لرسم شكل كرة القدم المقبلة، وتحديد الاتجاهات التي ستقود اللعبة إلى مرحلة جديدة.
تكمن قوة هذا الفصل في توقيت الكتابة، إذ قرأ الشريف العلامات الأولى قبل أن تتحول إلى أزمة عالمية واضحة، ووضع يده على خطوط المواجهة وهي لا تزال متفرقة، قبل أن تتجمع لاحقًا أمام الجميع.
ما كان يبدو أثناء الكتابة احتمالًا بعيدًا أصبح خلال أشهر جزءًا من المشهد السياسي والقانوني لكرة القدم العالمية؛ حيث ظهرت الخلافات إلى العلن، وانتقلت المواجهات من المواقف المتباعدة إلى البيانات والاجتماعات والمسارات القانونية.
وهنا تحولت «غرفة الولادة» إلى شهادة على قراءة سبقت الحدث، وليست مجرد تعليق جاء بعد وقوعه.
بين الوصف والاستشراف.. الفارق بين الكاتب والناقل
الكاتب التقليدي يشرح ما حدث، أما الكاتب الاستشرافي فيبحث عن أسباب حدوثه، والقوى التي تدفع إليه، والصورة التي يمكن أن يولد عليها المستقبل.
وبين الوصف والاستشراف تظهر قيمة الكتابة الحقيقية، ويبرز الفارق بين من يسير خلف الأحداث ومن يحاول استباقها.
لا يقدم الشريف نفسه كمن يمتلك معرفة الغيب، لكنه يعتمد على تراكم الخبرة، وربط التفاصيل، وفهم الشخصيات والمؤسسات، لأن الأحداث الكبرى لا تولد فجأة، بل تبدأ بإشارات صغيرة، ثم تتحول إلى خلافات، قبل أن تصبح صراعات واضحة.
والكاتب الذي يستطيع قراءة تلك الإشارات مبكرًا، يمتلك القدرة على رؤية ملامح العاصفة قبل وصولها.
«اللعبة الرابعة».. كرة القدم خارج حدود الملعب
يحمل عنوان الكتاب «اللعبة الرابعة» مفتاح المشروع كاملًا، فالشريف لا يتعامل مع كرة القدم باعتبارها مواجهة بين فريقين داخل المستطيل الأخضر فقط.
هناك لعبة تصنعها التقنية، وأخرى تديرها الأموال، وثالثة تخوضها المؤسسات بحثًا عن النفوذ والتأثير، بينما أصبح الملعب الذي يراه الجمهور مجرد الواجهة الأخيرة لعالم كامل يعمل خلفه.
ولهذا لا يُقرأ الكتاب باعتباره سردًا تقليديًا للأحداث، بل كخريطة ذهنية للعبة تعيد تشكيل نفسها. كل فصل يفتح نافذة على تحول مختلف، ثم تلتقي جميع النوافذ عند سؤال واحد: كيف ستكون كرة القدم عندما تتجاوز صورتها القديمة؟
من السعودية إلى العالم
صدور الكتاب باللغتين العربية والإنجليزية عن دار يعرب للطباعة والنشر لم يكن مجرد خطوة شكلية، فالموضوع الذي يناقشه يتجاوز الحدود المحلية، والقضايا التي يطرحها ترتبط بمستقبل كرة القدم عالميًا.
كتب الشريف من موقع المنتمي إلى اللعبة، ومن موقع المراقب القادر على الابتعاد بما يكفي ليرى الصورة كاملة.
ضمن نخبة الكتاب الرياضيين عالميًا
في «على حافة كرة القدم – اللعبة الرابعة» لا يطلب فواز الشريف من القارئ أن يوافقه في كل ما يطرح، لكنه يدفعه إلى إعادة التفكير فيما كان يعتقد أنه يعرفه، وهذه إحدى علامات الكتابة الكبيرة؛ فالكتب المؤثرة لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تفتح أبواب الأسئلة.
أما فصل «غرفة الولادة» فكشف السر الأهم في تجربة الشريف؛ فهو لا يكتب عندما يولد الحدث، بل يدخل الغرفة قبل الولادة، يستمع إلى نبضها، ويراقب مخاضها، ثم يترك للتاريخ مهمة إعلان المولود.
ويُعد فواز الشريف، الذي سبق أن اختاره الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية ضمن أفضل عشرة كتاب رياضيين في العالم، أحد أبرز الأصوات السعودية في الإعلام الرياضي، بما يمتلكه من خبرة ميدانية وقدرة على قراءة ما وراء الخبر، وكشف حركة المصالح والنفوذ قبل أن تظهر إلى السطح.



















































