وبحسب الأرقام التي أوردتها صحيفة ذا أثليتيك نقلًا عن بيانات «ترانسفير ماركت»، احتل الدوري التركي المركز الثالث أوروبيًا من حيث صافي الإنفاق هذا الصيف، بإجمالي بلغ نحو 278 مليون يورو، خلف الدوري الإنجليزي الممتاز والدوري الإيطالي.
ورغم أن الدوري التركي يحتل المركز التاسع في تصنيف الدوريات الأوروبية وفق معامل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، فإن أنديته أنفقت هذا الصيف كما لو كانت واحدة من أقوى مسابقات القارة.
صفقات ضخمة وأسماء من العيار الثقيل
شهد الصيف الحالي إبرام ثلاث من أغلى خمس صفقات في تاريخ الأندية التركية، بعدما تعاقد جالاتا سراي مع رافائيل لياو من ميلان مقابل 38 مليون يورو، فيما دفع فنربخشة 39 مليون يورو لضم ماسون جرينوود من مارسيليا، بينما حوّل بشكتاش إعارة أوركون كوكجو من بنفيكا إلى انتقال دائم مقابل 30 مليون يورو.
لكن الأرقام لا تعكس وحدها حجم التحول الذي شهدته السوق التركية.
فبشكتاش بدأ موجة التعاقدات الكبيرة بضم لياندرو تروسارد من أرسنال، بعد موسم كان خلاله اللاعب جزءًا من فريق توج بالدوري الإنجليزي وبلغ نهائي دوري أبطال أوروبا، قبل أن يضيف النادي إلى صفوفه دوسان فلاهوفيتش في صفقة انتقال حر عقب رحيله عن يوفنتوس.
أما فنربخشة، فرفع سقف المنافسة بالتعاقد مع ناثان آكي من مانشستر سيتي، ثم ماسون جرينوود، قبل أن يضم روميلو لوكاكو من نابولي مقابل 6 ملايين يورو فقط، مستفيدًا من تقدم اللاعب في العمر وتراجع مشاركاته خلال الموسم الماضي.
وبذلك أصبح فنربخشة يمتلك قائمة تضم أسماء مثل إيدرسون، ماتيو جندوزي، ماركو أسينسيو، نجولو كانتي، نيلسون سيميدو وميلان سكرينيار، إلى جانب الصفقات الجديدة.
جالاتا سراي يرد برافائيل لياو
لم يقف جالاتا سراي مكتوف الأيدي، فبعد تتويجه بلقب الدوري التركي في المواسم الأربعة الماضية، تحرك النادي بقوة للحفاظ على تفوقه، ونجح في خطف رافائيل لياو من ميلان، رغم وجود اهتمام من أستون فيلا باللاعب البرتغالي.
وكان جالاتا سراي قد دخل بالفعل مرحلة مالية جديدة بعد التعاقد مع فيكتور أوسيمين من نابولي في الصيف الماضي مقابل 75 مليون يورو، وهي الصفقة التي حطمت الرقم القياسي للانتقالات في تركيا بعدما تضاعف تقريبًا.
لكن هذا النجاح تسبب في مشكلة جديدة للنادي، إذ أصبح لدى الأندية الأخرى اعتقاد بأن جالاتا سراي يمتلك موارد مالية ضخمة، ما جعل أسعار اللاعبين ترتفع بمجرد معرفة اهتمام النادي التركي بهم.
محمد صلاح يشعل مدينة طرابزون
إذا كانت أندية إسطنبول الثلاثة قد رفعت مستوى المنافسة، فإن طرابزون سبور كان صاحب واحدة من أكثر صفقات الصيف إثارة للجدل والاهتمام.
وتشير رواية «ذا أثليتيك» إلى أن رئيس النادي أرطغرل دوغان تواصل مع المدير الفني فاتح تكيه خلال شهر يونيو وسأله بشكل مباشر: «هل تريد محمد صلاح؟».
وبعد مفاوضات لم تكتمل مع بشكتاش، نجح طرابزون سبور في حسم الصفقة والتعاقد مع النجم المصري لمدة عامين، مقابل راتب سنوي يقترب من 17 مليون يورو صافيًا، إلى جانب حصول اللاعب على نسبة تقارب 20% من عائدات بيع القمصان التي تحمل اسمه ورقمه.
وكان استقبال صلاح استثنائيًا؛ إذ حضر نحو 10 آلاف مشجع لاستقباله في مطار إسطنبول، قبل أن يتوجه إلى طرابزون، حيث احتشد نحو 30 ألف مشجع في ملعب النادي الذي يتسع لـ40 ألف متفرج لحضور مراسم تقديمه.
وقال صلاح عقب الاستقبال إنه لم يشاهد شيئًا مماثلًا من قبل.
ولم يتوقف طرابزون سبور عند ذلك، إذ تحرك النادي لتلبية احتياجاته الفنية، وتعاقد لاحقًا مع فابينيو، زميل صلاح السابق في ليفربول، بعد رحيله عن اتحاد جدة السعودي.
لماذا تنفق الأندية التركية بهذا الشكل؟
هناك أكثر من سبب وراء هذه الطفرة، لكن أحد أهمها هو رغبة المنافسين في إسقاط جالاتا سراي من على قمة الكرة التركية.
فالفريق توج بالدوري في آخر أربعة مواسم، ويطمح إلى تحقيق اللقب الخامس على التوالي، بينما لم يفز فنربخشة بالبطولة منذ عام 2014، وهو ما جعل المنافسة بين الأندية الكبرى أكثر شراسة.
كما أن هناك ما يشبه «تأثير الدومينو»؛ فالأندية التركية تراقب بعضها البعض باستمرار، وعندما يضم أحد المنافسين نجمًا كبيرًا، تشعر الأندية الأخرى بضرورة الرد بصفقة أكبر أو أكثر إثارة.
وتأمل الأندية أيضًا أن يؤدي الاستثمار في النجوم إلى تحسين نتائجها الأوروبية، وبالتالي الحصول على عوائد مالية أكبر، خاصة أن المشاركة في دوري أبطال أوروبا تمثل مصدر دخل هائلًا.
وكان تأهل فنربخشة إلى مرحلة الدوري في دوري أبطال أوروبا هذا الموسم للمرة الأولى منذ موسم 2008-2009 أحد أكبر دوافع النادي لإنفاق الأموال.
من أين تأتي الأموال؟
السؤال الأهم يبقى: كيف تستطيع الأندية التركية تحمل كل هذه الصفقات؟
الإجابة تختلف من نادٍ لآخر، لكن جالاتا سراي استفاد بشكل كبير من صفقة عقارية ضخمة، بعدما باع النادي أرضًا في منطقة فلوريا بإسطنبول، وتشير تقديرات إلى أن الصفقة وفرت له نحو 500 مليون يورو.
كما اعتمدت الأندية على تحقيق أرباح من بيع اللاعبين. ففنربخشة، على سبيل المثال، استفاد من بيع المهاجم صديقي شريف إلى كوفنتري سيتي بعد تحويل إعارته إلى انتقال دائم.
أما طرابزون سبور، فحقق أرباحًا من بيع كريست إنوا أولاي إلى فيورنتينا مقابل 26 مليون يورو، بعد التعاقد معه بأقل من 10 ملايين، كما باع فيليبي أوجوستو إلى زينيت مقابل 15 مليون يورو، بعد ضمه مقابل أقل من 7 ملايين يورو.
وفي بعض الحالات، تدخل الرعاة في تمويل الصفقات، وهو ما ظهر في صفقة محمد صلاح، حيث استفاد طرابزون سبور من دعم شركاء تجاريين إلى جانب الإيرادات الإضافية الناتجة عن زيادة مبيعات التذاكر والقمصان.
هل يمكن أن يستمر هذا الجنون؟
من الناحية الاقتصادية، تبدو استدامة هذا المستوى من الإنفاق محل شك، لكن كرة القدم التركية اعتادت منذ سنوات على تجاوز الحدود التقليدية في سوق الانتقالات.
تركيا ليست من أقوى الدوريات الأوروبية من حيث التصنيف أو الموارد، لكنها تمتلك عنصرًا لا يمكن تجاهله: الجماهيرية والشغف.
وهناك مقولة شهيرة في الكرة التركية تقول إن الجماهير تعتقد أن البطولات تُحسم في المطارات، في إشارة إلى أن استقبال نجم كبير قد يصبح في حد ذاته مؤشرًا على طموحات النادي.
وهذا الصيف، تحولت المقولة إلى واقع؛ من تروسارد وفلاهوفيتش، إلى آكي وجرينوود ولوكاكو، وصولًا إلى لياو ومحمد صلاح وفابينيو.
لقد أصبحت سوق الانتقالات التركية أكثر فوضوية، وأكثر إنفاقًا، وأكثر إثارة من أي وقت مضى، وفي الوقت الحالي يبدو أن كرة القدم التركية لا تنوي الضغط على المكابح.















































































































