هداف نادر بالفطرة، وهبه الله سمات لا يملكها كثيرون، مهاجم يشتم رائحة الفرص، ويملك مفاتيح مرمى الخصوم، وتربطه بشباك المنافسين علاقة قوية للغاية، وحينما ترى مقاطع خاصة به تتأكد تمامًا وتقول بلا تردد: هذا نموذج الـ9 المثالي، الذي يحلم به أي نادٍ، ويتمناه كل محب وعاشق لكرة القدم، ذلك النموذج التاريخي الذي تحول إلى ما يشبه الماس في ندرته، والذهب في قيمته وحضوره، والنجوم في لمعانها.
قبل العشرين من عمره، قدم الأسطورة ماجد عبدالله بداية تاريخية لنجم يخطو خطواته الأولى في عالم كرة القدم، حينما سجل خماسية تاريخية في مرمى قطر، وألحقها بسبعة أهداف سجلها في نسخة خليجي 5 في العراق عام 1979.
بداية، إن صح التشبيه، تماثل ما قدمه إيرلينج هالاند صبيًا مع منتخب النرويج، مع اختلاف الظروف والمعطيات والإمكانيات، حينما كان يسجل خماسيات ورباعيات، وجعل العالم كله يقول: هناك صبي يسجل بغزارة وغرابة.
هذا ما كان عليه النجم السعودي في انطلاقة حياته، لكن لسوء حظه لم يكن هناك احتراف بالصورة الجديدة، ولا تكنولوجيا وسوشيال ميديا وحداثة وثورة تعيشها كرة القدم في سنواتنا الأخيرة، ولو كان عبدالله بيننا في الملاعب بوقتنا الحالي، لسار أحد هدافي ونجوم كبرى دوريات أوروبا، بما يملكه من مقومات وقدرات.
لكن لماذا نستدعي الحديث عنه الآن؟
لا يقتصر الأمر فقط على أن نذكر الجمهور والأجيال الجديدة بما قدمه من مسيرة خارقة، ربما لم ينل منها ولا فيها ما يستحق، وما كان يجب أن يكون، بينما يمتد الأمر إلى ضرورة الاستفادة من عقلية احترافية سبقت الاحتراف ذاته، وشخصية نموذجية وطنية يجب الاقتداء بها والسير على نهجها، والأخذ بأفكارها التي زرعت مفاهيم صنعت جيلًا عظيمًا في مونديال 1994.
خلال خمس مشاركات بكأس الخليج، سجل 17 هدفًا، وترك بصمات لا تُنسى، لكنه لم يتوج باللقب ولا مرة، في حين جاء تأثيره الأقوى في جيل المونديال العظيم الذي فاز في نفس العام بكأس الخليج للمرة الأولى، لتكون هدية الرفاق لزميل أحبوه حد العشق.
إن أبرز ما ميز عبدالله ليست قدراته ولا أهدافه، بل أفكاره وشخصيته وتأثيره في الآخرين.
يقول عنه صالح النعيمة إنه بين ثلاثة لاعبين لن يتكرروا في تاريخ كرة القدم السعودية، فهو الرجل الذي يملك مقومات خارقة تمكنه من إثارة القلق والرعب بداخل أي منافس، وتلك سمات شخصية فريدة لا يملكها غير الأساطير من نوعية كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، وآخرين يمكن عدّهم على أصابع اليد الواحدة في كل دوري.
حينما كانت هناك مطالب برفض مشاركته بقميص الهلال في اعتزال صديقه وابن جيله صالح النعيمة، أصر على موقفه وشارك في الاعتزال، وبقيت جملته الشهيرة خالدة: «رايح.. رايح».
لا تعنيه ألوان غير ألوان مملكته وسعوديته التي ينتمي إليها أولًا، ولا تعجبه نغمة التعصب ووتر التلاعب بمشاعر الناس، ويدرك بأن الصداقة قيمة لا تُقدّر بمادة ولا تُقاس بشيء آخر.
ذهب إلى صديقه واختاره، ورسّخ مفهومًا واضحًا: المملكة فوق كل اعتبار.
أما سامي الجابر، فترك لنا شهادة أخرى لا تقل جمالًا عما قاله النعيمة، وتحمل تعبيرًا واضحًا عن قيمته ومكانته ورمزيته عند الأجيال: نحتاج إلى 50 عامًا لنصنع ماجد عبدالله جديدًا.
من هنا يأتي استدعاء سيرة ومسيرة عبدالله، ليتذكر نجوم ولاعبي المنتخب السعودي كيف كانت القدوة داخل وخارج الملعب، وهنا يشير الأسطورة ماجد عبدالله إلى مفهوم مهم للغاية: الأسطورة ليست بأفعالها في الملعب فقط، بل خارجه أيضًا، والنجم الكبير تتبين سماته وشخصيته وقت الخسارة أكثر منها وقت الفوز.
كان رجل قيم وثوابت ومبادئ قبل أن يكون لاعبًا ممتازًا، إنسانًا رائعًا في علاقته وتواصله مع الآخرين وفهمه للمجتمع، صديقًا وصاحبًا للمجموعة قبل أن يكون قائدًا يحمل شارة بين يديه، جعل كل من حوله يجمع: لا قائد مثل ماجد.
إن التتويج باللقب في نسخة خليجي 2027 في جدة هو فرصة عظيمة لتكريم واحد من أهم أساطير المملكة والعرب والخليج، ووضعه أمام الأجيال في منطقة تليق بمشواره، وتعكس قيمته، وتبين لماذا نحن بحاجة كل يوم للعمل على صناعة ماجد عبدالله في مدارس الكرة، والأندية، والقطاعات الرياضية المختلفة.


































































