الاقتصادي الأهم: ماذا يبقى بعد انتهاء البطولة؟
في السعودية، يتجاوز هذا السؤال حدود المنافسة بين اللاعبين؛ إذ تراهن الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية على قطاع يُستهدف أن
يسهم بنحو 50 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي بصورة مباشرة وغير مباشرة، وأن يوفر أكثر من 39 ألف فرصة عمل بحلول عام 2030.
وبين هذين المستهدفين، تصبح البطولة واجهة لصناعة يُنتظر منها أن تنتج وظائف وشركات وألعابًا واستثمارات، إلى جانب الأبطال.
شغف وكؤوس.. بداية الحكاية
قدّم نادي فالكونز السعودي صورة واضحة للنجاح التنافسي، بعدما أحرز لقب بطولة الأندية في كأس العالم للرياضات الإلكترونية عام 2024، ثم احتفظ باللقب في نسخة 2025.
وفي النسخة الثانية، جاء نادي تويستد مايندز السعودي في المركز الرابع بالترتيب العام، ليؤكد حضور الأندية السعودية في المنافسة عبر ألعاب متعددة.
وقبل ذلك، سجل اللاعبون السعوديون محطات بارزة، من تتويج مساعد الدوسري ببطولة العالم للعبة «فيفا» عام 2018، إلى إحراز المنتخب السعودي لقب كأس العالم للعبة أوفرواتش عام 2023، ثم الفوز بلقب كأس العالم للعبة روكيت ليق عام 2024.
وعلى مستوى الميداليات، أحرز محمد فوزي ذهبية «إي إيه إف سي 24» في دورة الألعاب الخليجية الأولى للشباب عام 2024.
تثبت هذه الإنجازات قدرة السعوديين على المنافسة وتحقيق الألقاب، لكن بناء الصناعة يحتاج إلى قراءة ما يدور حول منصة التتويج: من يعمل؟ ومن ينتج؟ وكيف يتحول النجاح الرياضي إلى نشاط اقتصادي يستمر بين بطولة وأخرى؟
الجائزة ليست حجم الاقتصاد
منذ انطلاق النسخة الأولى من كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض عام 2024، وضعت البطولة المملكة في قلب تجمع دولي للاعبين والأندية والمطورين والناشرين.
وفي نسخة 2025، تجاوز مجموع الجوائز 70 مليون دولار، فيما سجل الحدث، وفق الجهة المنظمة، 750 مليون مشاهد وثلاثة ملايين زائر للفعاليات.
وتعكس هذه الأرقام اتساع قاعدة الجمهور وقدرة الحدث على جذب الاهتمام العالمي، لكن قراءة الأثر الاقتصادي تتطلب التمييز بين قيمة الجوائز وإيرادات الشركات، وبين أعداد الزوار وحجم إنفاقهم، وبين الانتشار الإعلامي وفرص العمل المستدامة.
فالجوائز تذهب إلى الفائزين، بينما يمتد النشاط المحيط بالبطولات إلى مجالات التنظيم والإنتاج والبث والتسويق والرعاية والخدمات.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم: ما مقدار ما يتحول من هذا النشاط إلى عقود وخبرات وأعمال تنمو داخل المملكة وتستمر بعد انتهاء البطولة؟
خلف كل لاعب.. سوق للعمل
اللاعب المحترف هو الوجه الظاهر للرياضات الإلكترونية، لكن خلفه منظومة واسعة من الوظائف والمهارات، تشمل التدريب والإدارة والتحليل الفني وصناعة المحتوى وإدارة الشراكات وتنظيم المنافسات.
وعلى امتداد صناعة الألعاب، تظهر مهن أخرى في مجالات البرمجة والتصميم والتطوير والنشر والإنتاج الفني والتسويق وإدارة المنتجات.
ولهذا تشمل الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية مجالات البنية التحتية وتطوير الكفاءات والحوكمة والتقنيات وإنتاج الألعاب، إلى جانب مبادرات حاضنات الأعمال والأكاديميات والفعاليات الكبرى.
ويكشف اتساع هذه المجالات أن الرهان لا يتوقف عند زيادة عدد اللاعبين المحترفين، بل يمتد إلى تأسيس بيئة يمكن أن يعمل فيها أشخاص قد لا يصعدون يومًا إلى منصة التتويج.
ومن هنا تبرز أهمية مستهدف خلق أكثر من 39 ألف فرصة عمل؛ فقيمة القطاع بالنسبة إلى الشباب يمكن أن تتجسد في وظيفة لمطور، أو مشروع لمصمم، أو شركة للإنتاج، بقدر ما تتجسد في مسيرة لاعب يحقق بطولة.
من استضافة الألعاب إلى إنتاجها
تستهدف الاستراتيجية بحلول عام 2030 إنتاج أكثر من 30 لعبة محلية تدخل قائمة أفضل 300 لعبة عالميًا، إلى جانب الوصول بالمملكة إلى أفضل ثلاث دول في تعداد اللاعبين المحترفين نسبة إلى عدد السكان.
ويحمل مستهدف الإنتاج المحلي اختبارًا اقتصاديًا مهمًا؛ فتطوير لعبة قادرة على المنافسة عالميًا يعني بناء منتج يمكن تسويقه خارج الحدود، وتكوين خبرات محلية في البرمجة والفنون والسرد والتصميم وإدارة المنتجات.
لكن بلوغ هذا الهدف يحتاج إلى أكثر من نجاح الاستضافة؛ إذ يطرح أسئلة حول تمويل الاستوديوهات، وقدرتها على الوصول إلى الجمهور، وتوافر الكفاءات، وقدرتها على الاستمرار حتى إطلاق منتجات ناجحة.
وهي أسئلة ينبغي أن ترافق الاحتفاء بنمو القطاع، لأنها تساعد على قياس الطريق الفعلي نحو تحقيق مستهدفاته.
الأثر الاقتصادي.. ما بعد الأرقام
تجمع التجربة السعودية بين استضافة البطولات، وصناعة الأبطال، والطموح إلى تطوير الألعاب.
ولكل مسار مقياسه؛ فالتنظيم يُختبر بجودة الحدث، والتنافس تُعلنه النتائج والألقاب، أما الأثر الاقتصادي فتظهره الشركات والوظائف والمنتجات والإيرادات والاستثمارات.
وتظل أرقام عام 2030 مستهدفات للمستقبل، ولذلك يحتاج تقييم التقدم إلى بيانات دورية توضح ما تحقق فعليًا، وتفصل بين نمو صناعة الألعاب ونمو المنافسات الإلكترونية، وتتيح فهمًا أدق لما يضيفه كل مسار إلى الاقتصاد.
بدأت الحكاية بشغف أمام شاشة، ووصلت إلى كؤوس عالمية. أما الفصل الذي تراهن عليه السعودية الآن، فيُكتب خارج المباراة أيضًا: في استوديو يطلق لعبته، وشركة تكسب عميلًا، وشاب يجد مهنته، ومنتج سعودي يصل إلى لاعب في سوق عالمي.
استثمارات سعودية في قلب صناعة الألعاب
ويمتد الحضور السعودي إلى ملكية شركات تطوير الألعاب ونشرها؛ إذ استحوذت مجموعة سافي للألعاب الإلكترونية، المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، على شركة سكوبلي عام 2023 مقابل 4.9 مليارات دولار، لتضم إلى منظومتها مطورًا وناشرًا عالميًا يقف خلف ألعاب من بينها «مونوبولي غو».
وفي مسار استثماري منفصل، اكتمل في أغسطس 2026 استحواذ تحالف يضم صندوق الاستثمارات العامة وسيلفر ليك وأفينيتي بارتنرز على شركة إلكترونيك آرتس، بعدما أُعلن الاتفاق بقيمة منشأة تقارب 55 مليار دولار.
وتضم الشركة مجموعة من أبرز سلاسل الألعاب العالمية، من بينها إي إيه سبورتس إف سي، وباتلفيلد، وذا سيمز.
وتضيف هذه الاستثمارات بُعدًا آخر للطموح السعودي؛ فالمسألة لا تقتصر على استضافة البطولات أو رعاية المنافسات، بل تمتد إلى المشاركة في تطوير المنتجات وامتلاك الملكيات الفكرية والاستفادة من عوائدها في الأسواق العالمية.
أما أثر هذه الاستثمارات داخل المملكة، فيبقى مجالًا مهمًا للمتابعة، خصوصًا فيما يتعلق بنقل الخبرات، وتطوير الكفاءات، وخلق فرص جديدة أمام الاستوديوهات والشركات المحلية.
حين تنطفئ الشاشات
في النهاية، قد يكون الكأس هو أكثر ما تراه الجماهير، لكنه ليس بالضرورة أكثر ما يبقى.
فخلف كل بطولة منظومة من اللاعبين والمطورين والمنظمين والمصممين والمبرمجين والمسوقين والشركات، وخلف كل لعبة ناجحة سوق عالمي قادر على صناعة الوظائف والاستثمارات والملكية الفكرية.
وحين تنطفئ شاشات البطولة، سيكون ما يستمر بعدها هو الإجابة الأوضح عن السؤال: هل أصبحت الرياضات الإلكترونية مجرد صناعة ترفيهية ضخمة، أم تحولت بالفعل إلى رافد اقتصادي مستدام؟



























































































