وخلف هذا التقدم تقف عقلية إدارية بدأت تقترب في أسلوبها من نهج الأندية الأوروبية الكبرى، التي تعتمد بشكل متزايد على التحليلات المتقدمة كجزء أساسي من قراراتها التعاقدية، لا كأداة مساندة فقط.
الخلود وتجربة فريدة في اختيار الصفقات
يعتمد نادي الخلود، أحد أندية دوري روشن السعودي، على نظام تحليل بيانات مدعوم بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في اتخاذ قراراته التعاقدية، في وقت يتفوق فيه عدد من منافسيه عليه من حيث الإنفاق.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة The National، فإن النادي يستعين بهذه التقنية لتحديد لاعبين تُعتبر قيمتهم السوقية أقل من مستواهم الفعلي، بدلاً من المنافسة المباشرة على الصفقات الكبيرة.
نادٍ صغير حديث العهد بالصفوة
يقع نادي الخلود في مدينة الرس، على بُعد نحو 450 كيلومتراً غرب الرياض، ولم يصعد إلى دوري روشن السعودي إلا في عام 2024. وفي يوليو 2025، استحوذ عليه المستثمر الأميركي بن هاربورج بالكامل، ليصبح بذلك أول ناد في الدوري السعودي يخضع لملكية أجنبية كاملة.
وبعد أحد عشر شهراً من ذلك الاستحواذ، وصل الخلود إلى نهائي كأس الملك لأول مرة في تاريخه، قبل أن يخسر أمام الهلال بنتيجة 2-1.
يقول جاريث جنينجز، المدير الرياضي لمجموعة هاربورج المالكة للنادي، إن سبعة أندية على الأقل في الدوري السعودي أنفقت أكثر من الخلود خلال هذا الموسم، ويعتبر أن هذا الفارق طبيعي، موضحاً أن هدف النادي هو استغلال ما يراه من فجوات في السوق عبر الاعتماد على البيانات.
آلية عمل نظام "Teamworks Player ID"
التقنية التي يستند إليها الخلود توفرها شركة تيموركس (Teamworks) عبر نظام يُعرف باسم Player ID، يقوم هذا النظام بتقييم نحو 100 ألف لاعب حول العالم، موزعين على أكثر من 200 دوري، بهدف مساعدة الأندية ذات الإمكانات المحدودة على اكتشاف مواهب لم تلقَ الاهتمام الكافي من الأسواق التقليدية للكشافين.
ولا يقتصر عمل النظام على وصف مستوى اللاعب الحالي، بل يمتد إلى محاولة التنبؤ بأدائه المستقبلي في سياق مختلف، أي كيف يمكن أن يؤدي لاعب معين إذا انتقل إلى بيئة تكتيكية وثقافية جديدة، مع الأخذ بعين الاعتبار قوة الدوري الذي أتى منه وأسلوب لعب الفريق الذي سينضم إليه.
ويقول ريتش بيرن، المدير التجاري لقسم Player ID في تيموركس، إن جوهر عمل النظام هو محاولة عزل "المهارة الحقيقية" للاعب عن العوامل المحيطة، ثم الانتقال من مرحلة وصف أدائه الحالي إلى التنبؤ بمردوده لو مُنح عقداً لثلاث سنوات.
البيانات أولاً، ثم يأتي التقييم البشري
يوضح جنينجز أن أي لاعب لا تنطبق عليه المعايير الرقمية التي يضعها النادي لكل مركز يُستبعد مباشرة من أي نقاش تعاقدي، مع الإشارة إلى أن هذه المعايير تختلف بين اللاعبين المحليين والأجانب بحسب أهمية كل مؤشر بالنسبة للنادي.
ولا يبدأ دور التقييم البشري إلا بعد اجتياز اللاعب لهذا الفلتر الرقمي، حيث يعمل فريق الخلود عندئذ على التفريق بين المرشحين المتقاربين إحصائياً استناداً إلى عوامل مثل الشخصية والقيمة المستقبلية، في حين قد ينهي تاريخ الإصابات أو المشكلات الانضباطية اهتمام النادي بلاعب ما مهما كانت أرقامه جيدة.
ويصف جنينجز هذه المقاربة بالقول إن البيانات هي التي تحسم القرار من الناحية الأدائية في نهاية المطاف.
ومن أبرز صفقات الخلود هذا الصيف التعاقد مع الجناح كوبا دا كوستا قادماً من خيتافي الإسباني، بنحو مليوني يورو، في مثال على نوعية اللاعبين الذين يستهدفهم النادي.
معدل نجاح أعلى في الصفقات، لكن دون ضمانات مطلقة
يشير بيرن إلى أن معظم الأندية حول العالم لا تنجح إلا في أقل من نصف صفقاتها التعاقدية، في حين يساعد نموذج تيموركس التنبؤي عملاءه على رفع معدل النجاح إلى ما بين 70 و80 في المئة تقريباً.
ومع ذلك، يوضح أن النظام لا يقدم ضمانات كاملة، إذ لا تزال هناك صفقتان أو ثلاث من كل عشر تُخفق رغم الاعتماد على البيانات.
كما يلفت إلى أن بعض الأندية تتسرع في تبني هذه التقنيات وتعتمد على نماذج لم تختبر بشكل كافٍ عبر نوافذ انتقالات حقيقية، بينما مرّ نموذج تيموركس نفسه بنحو 22 نافذة انتقالات على مدى 11 عاماً قبل أن يصل إلى مستواه الحالي.
تساؤلات حول تأثير هذه التقنيات على طبيعة اللعبة
يثير التقرير أيضاً تساؤلاً أوسع يتعلق بمستقبل الكرة إذا اتجهت الأندية إلى البحث عن الصفات القابلة للقياس نفسها، فهل يعني ذلك أنها ستنتهي إلى التعاقد مع نوعية متشابهة من اللاعبين، على حساب المواهب غير التقليدية التي تميز اللعبة؟.
يرى بيرن أن هناك احتمالاً لعودة الاهتمام مستقبلاً بالمهارات الفردية، بعد عقد كامل من التعاقد وفق أسلوب المدرب تحديداً، خصوصاً مع تقلص فترات بقاء المدربين في مناصبهم.
كما يشير التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بات ينظر إلى هذه التقنيات باعتبارها عاملاً يعيد تشكيل طريقة اكتشاف المواهب وتقييمها، من خلال برنامجه الخاص بتأهيل الكشافين، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن الحدس البشري يبقى ضرورياً في تقييم الإمكانات الكامنة.
ويتفق جنينجز مع هذا الطرح جزئياً، إذ يوضح أن النموذج قادر على تفسير تكيّف لاعب معين مع مدربين مختلفين، لكنه أقل قدرة على توقع الحالة العكسية، حين يتراجع أداء اللاعب نفسه نتيجة تغير محيطه.
بالنسبة لنادٍ مثل الخلود، يبقى الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه التوقعات الرقمية ستتحول إلى نموذج تعاقدي مستدام على المدى الطويل. أما على الصعيد الرياضي البحت، فقد بدأ النادي بالفعل يترك أثراً، وكان وصوله إلى نهائي كأس الملك أول مؤشر ملموس على ذلك.






















































































































