المباريات

جميع المباريات

سعود عبدالحميد.. اليوم للحب صوت

سعود عبد الحميد

سعود عبد الحميد

بعينين خجولتين، وصوت طفولي بريء، وروح ملائكية يكشف عنها وجهه الباسم، غنّى سعود عبدالحميد وسط زملائه في لانس قبل عام: «الله يا وقت مضى».

موضوعات متعلقة

استعان سعود برائعة الشاعر الكبير خلف العربي، والتي أبدع في غنائها وتلحينها كلٌّ من الفنان راشد الماجد، والملحن ناصر الصلح، ليعبّر بها عن جزء من تكوينه، وهويته، وشخصه.

الله يا وقتٍ مضى .. لو هي بيدينا ما يروح

والله يا عمرٍ قضى .. بين الأماني والجروح

قولوا لجدران البيوت .. كنّا حبايب وقصرا

واليوم ما للحب صوت .. محدٍ عن الثاني درا

يحن سعود، كما الشاعر البديع، إلى الماضي المليء بالذكريات، بالود والحب، بالمشاعر والأثر الكبير، يشتاق إلى الحكاية التي ترويها الأجيال، وإلى صوت الحب الذي غاب وقضى، ويحاول ويمنّي نفسه بأن يعود.

لكنه لم يدرِ، ولم يتوقع أحد، أنه بعد عام واحد من تلك الأغنية التي غنّاها النجم السعودي وسط الجمع الفرنسي في لانس، سيصبح هو الحكاية التي يتحدث عنها كل من في المملكة، وأن يتحول اسمه إلى عنوان يتصدر أغلفة صحافة أوروبا، وتصبح قصته أغنية يتباهى ويفتخر بها كل عربي، لا سعودي فحسب.

إن كتابة اسم سعود عبدالحميد في محركات البحث، خلال الأسبوع الأخير على وجه التحديد، كفيلة بإدراك ما جرى؛ فالرجل الذي أصر على الطريق الصعب، وراهن على قدرة اللاعب السعودي على التواجد في أعلى الهرم الكروي، وفي أشد المناطق تنافسًا، صار اليوم النجم العربي الأبرز، الذي تستحوذ أخباره على كل المنصات والمواقع العربية: سعود يصنع المجد، سعود يكتب التاريخ، سعود أول من يتوج بلقب، سعود يعانق الذهب.

لا أحد بين البشر يكره المادة، وكثيرون يحبونها ويعشقونها، لكن قليلون من يبحثون عن الأثر، والتأثير، والقدوة، وفي مقدمة هؤلاء سعود عبدالحميد.

كان بمقدوره أن يجني خمسة أضعاف الراتب الذي يحصل عليه في أوروبا، إن بقي لاعبًا بين كبار روشن، في أعلى مراحل دورينا، وأهم حقبة زمنية، ومع أعلى معدلات إنفاق واستثمار في تاريخ الدوري السعودي.

لكن اللاعب الذي يتأثر برائعة «الله يا وقت مضى» لا يريد أن يمضي العمر بلا أثر، وأن تنتهي القصة بلا تفاصيل تُروى؛ لذلك كان إصراره على اللعب في أوروبا في هذه الحقبة الزمنية تحديًا لا يُقبل عليه غير شخص قوي، فريد، له تكوين مختلف عن البقية.

مع تعثر الرحلة في روما، وما صاحبها من خيبة أمل ومطبات عرقلت الحلم في بدايته، كان سهلًا ويسيرًا للغاية على سعود أن يحجز أول تذكرة إلى الرياض، ويعود إلى أحضان الوطن بين جماهيره وعائلته وأصدقائه، ويحصل على أي راتب يريد، ويعيش داخل المجتمع كنجم كبير ينازع أكبر نجوم روشن، لكنه اختار أن يسلك الطريق ذاتها، وأن يظل باحثًا عن صوت الحب الذي غاب، كما يقول الشاعر، وأن يدري كل سعود بعد عشرات السنين بقصة سعود عبدالحميد.

سعود لا يناسب أوروبا، الدوري الفرنسي يقوم على القوة البدنية وسعود بنيانه ضعيف؛ كانت هذه بعضًا من مئات وآلاف الانتقادات التي طالت نجمنا في محاولة للانقضاض على حلمه، والتقليل من هدفه وطموحه، لكنه أصر واستمر، وفي نهاية المطاف فاز بالرهان بعد وقت قصير للغاية.

اليوم يتنافس سعود عبدالحميد على لقب الظهير الأكثر تأثيرًا في الكرة الفرنسية مع أشرف حكيمي، أفضل أظهرة كرة القدم في عصرنا الحديث.

اليوم يفوز سعود عبدالحميد على بطل أوروبا، باريس سان جيرمان، الذي أعجز كبار القارة، ويمنح فريقه لقبًا لم ينله منذ بدأت كرة القدم في بلادهم.

اليوم يتألق سعود، ويبدع، ويدخل السعوديين ليالي الأبطال طرفًا مشاركًا، لا مجرد متابع بعيد لا علاقة له باللعبة وصراعها.

اليوم سعود يبدّل تموضع اللاعب السعودي، ويثبت قدرته على الذهاب بعيدًا، والتحليق في سماء العالمية.

لقد أراد أن يصنع للاعب السعودي صوتًا بين كبار العالم، وفاز بالرهان، لكن المكسب الأكبر، والذي سيتأتى لاحقًا، أنه سيكسر الحاجز النفسي لعشرات السعوديين، وسيكون صوت الحب الذي يفجّر الطاقات، ويلهم الأبطال، ويحرّك الدوافع، ويعزز الحضور السعودي في الغرب خلال السنوات المقبلة.

إن قصة سعود تستحق الالتفاف حولها، وأن تكون قصيدة اليوم التي ما يجب أن يتحسر أولاد المملكة على غيابها وعدم تكرارها غدًا وبعد غد، وأن تصبح نموذجًا يُقتدى به، ومسارًا يُبنى عليه، وطريقًا على المجتمع، والأفراد، والمؤسسات، أن يكملوه حتى أبعد نقطة.

في مصر، كان محمد صلاح المحرك الذي دفع عمر مرموش إلى اللعب في مانشستر سيتي اليوم، والحافز الذي جعل الولد الصغير حمزة عبدالكريم مهاجمًا أساسيًا في برشلونة عند العشرين فقط من عمره، وقبله لم يكن للاعبين المصريين حضورٌ ملحوظ سوى في دوريات متوسطة، كما البلجيكي والتركي.

إن إكمال قصيدة سعود أهم من بدايتها.

فبعدما تحمّل وحده صعوبة البدايات، وفتح الطريق، ورسّخ وجوده بين الكبار، جاء دور الجميع في أن يكملوا القصيدة؛ دور الإعلام في أن يدفعه نحو المزيد، ودور المؤسسات في أن تجعل من تجربته نموذجًا يُعرَف ويُدرَّس، ودور الأسر في أن تزرع داخل الموهوبين شخصية البطل، لا عقلية اللاعب الذي يبحث عن الطريق الأسهل.

سعود عبدالحميد لم يعد بحاجة إلى أن يثبت أن اللاعب السعودي قادر على الوصول. لقد أثبت ذلك بالفعل.

المهمة الآن ألا تكون قصته استثناءً.

أن يصبح سعود هو الأول فقط، لا الوحيد.

أن يأتي بعده عشرات السعوديين الذين يملكون الشجاعة ذاتها، ويحملون الطموح نفسه، ويعرفون أن الطريق إلى المجد قد يبدأ أحيانًا من قرار يبدو للجميع مجنونًا.

قبل عام، كان سعود يغني:

«واليوم ما للحب صوت.. محدٍ عن الثاني درا».

أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء.

اليوم لسعود صوت.

واليوم للحلم صوت.

وربما يكون هذا الصوت هو البداية الحقيقية لقصيدة سعودية طويلة في أوروبا.

مشاركة

عاجل